أغرب سباق في التاريخ

نورا حسامين

في 30 أغسطس عام 1904، شهدت مدينة سانت لويس الأمريكية ما قد يكون أفشل وأخطـر سباق ماراثون في تاريخ الألعاب الأولمبية… سباق يصفه المؤرخون حتى اليوم بأنه “حدث يقـتل الرجال”.
بداية الفوضى
درجة حرارة قاربت 40 درجة مئوية… طرق ترابية غير ممهدة… غبار خانق يتطاير مع كل خطوة… وهذه الكارثة لم تكن صدفة.
المنظم الرئيسي جيمس سوليفان قرر – بعقلية تجارب قاسية – تقليل محطات المياه عمدًا إلى محطة واحدة فقط عند الميل 12 ليختبر تأثير الجفاف على العدّائين! كان المشهد أقرب إلى معمل تجارب بشري، لا إلى سباق أولمبي. بعد ساعات من الجـحيم، اقترب العدّاء الأمريكي فريدريك لورز من الإستاد وسط تصفيق جماهيري حار. رفعوا الأعلام احتفالًا بالفائز… ثم انفـجرت الفضـيحة:
لورز لم يكمل السباق!
أصيب بتشـنجات بعد أقل من نصفه، فركب سيارة لمدة 17 كيلو ثم نزل في النهاية ليكمل ركضًا وكأنه بطل. تم طرده فورًا وسط صدمة الجمهور.
بعد استبعاد لورز، ظهر العدّاء توماس هيكس وهو يترنّح على قدميه. الرجل كان شبه مـيت، ومع ذلك كان فريقه يدفعه للاستمرار. ولكي “ينشطوه”، أعطوه مزيجًا مرعبًا:
ستريكنين: سـم فئران قاتل، لكنه يُستخدم كمحفّز بكميات صغيرة، بيض نيء، براندي.
بدأ هيكس يهلوس، يرى الطريق يتحرك، والناس يتضاعفون أمامه. في آخر أمتار السباق، لم يعد قادرًا حتى على رفع يديه… فقام مساعدوه بحمله من ذراعيه وتحريك قدميه للأمام لتبدو وكأنه يركض حتى عبر خط النهاية. هيكس فاز بالماراثون… لكن لو استمر لعدة دقائق إضافية، لربما مات.
ضمن المشاركين كان العدّاء الكوبي الغريب الأطوار أندارين كارفاهال.
الرجل شارك بالماراثون بعد أن فقد كل أمواله في القـمار واضطر لركض السباق بملابس الشوارع. وسط الطريق، جاع… رأى شجرة تفاح… أكل منها دون أن يعرف أنها تفاح فاسد.
أصـيب بمغص شديد، تمدد تحت ظل شجرة، وغفا قليلًا… ثم استيقظ وأكمل السباق! ومع كل هذا الجنون، أنهى السباق في المركز الرابع! شارك أيضًا العدّاءان الأفريقيان لين تاونيان وجان ماشاني، أول رجلين سود يمثلان إفريقيا في الأولمبياد.
تاونيان كان يمكنه تحقيق مركز أفضل بكثير… لكنّ مجموعة كلاب شـرسة طاردته لمسافة كيلو ونصف كامل فأخرجته عن المسار! ورغم كل ذلك، أنهيا السباق في المركزين التاسع والثاني عشر، في إنجاز يحسب لهما في ظل الظروف المستحيلة. ذلك اليوم في سانت لويس لم يكن سباق ماراثون… بل فيلم أسطوري من الجـنون والفوضى والتجارب اللا إنسانية:
فائز غشّاش
فائز حقيقي مخدّر ومسـموم عدّاء يأكل تفاحًا فاسدًا وينام
عدّاء تُطارده كلاب
منظم يحوّل البشر إلى تجارب عطش
حرارة قاتلة وغبار خانق
لقد كان درسًا قا*سيًا في غرور البشر حين يظنون أنهم يستطيعون اللعب بالطبيعة والإنسان.
ومع ذلك، أثبت العدّاءون أنه حتى في أسوأ الظروف، يمكن للإرادة أن تدهشنا بأكثر مما نتخيل.

إرسال التعليق

اخبار قد تهمك