محام أحوال شخصية
ما أكتب عنه الآن واقعة حصلت في إحدى الدعاوى التي كنتُ وكيل الزوجة فيها ومثبتة بملفات دعاوى مسجلة في إحدى المحاكم، وتمثل طبيعة بشرية واقعية وإن غُلّفت بشعارات وأفكار في بعض الأحيان، أُقيمت دعوى نفقة لموكلتي التي عقد عليها شخص للزواج إلا أنه تركها معلقة فلا هو أكمل زواجه منها وعاشا كزوجين ولا هو قام بتطليقها، وكانت للزوجة محامية تترافع عنها قبلي إلا أنها اختلفت معها، فجاءتني بغية التوكل عنها وإتمام العمل خاصة وأن دعوى النفقة طلب فيها الزوج تطبيق أحكام المذهب الجعفري واستُؤخر النظر فيها لحين ورود إجابة المجلس العلمي في الوقف الشيعي، وحينما أقمتُ دعوى للمطالبة بحق الزوجة من مهرها المسمى، تمسك الزوج بتطبيق القانون ١٨٨ لسنة ١٩٥٩ لأن المادة (٢١) منه تنص على (تستحق الزوجة كل المهر المسمى بالدخول أو بموت أحد الزوجين وتستحق نصف المهر المسمى بالطلاق قبل الدخول)، قيّدت حصول الزوجة قبل الدخول على أي جزء من مهرها إلا عند الطلاق، أما قبل الدخول ولم تكن مطلقة فلا شيء لها من المهر وفق القانون (١٨٨)، إلا أن الأمر اختلف في ظل أحكام مدونة الأحكام الشرعية في مسائل الأحوال الشخصية وفق المذهب الشيعي الجعفري الملحقة بالقانون رقم (١) لسنة ٢٠٢٥ قانون تعديل قانون الأحوال الشخصية رقم (١٨٨) لسنة ١٩٥٩، لكون المادة (٥٢) منها صريحة في (إذا كان المهر كله أو بعضه حالاً فللزوجة الامتناع عن تمكين الزوج من الدخول بها قبل قبض ما كان حالاً) والمادة (٥٣) بينت ما تستحقه من مهر قبل الدخول بصراحة بالقول (تستحق المرأة المهر المسمى بالعقد، ويسقط نصفه قبل الدخول أو ما بحكمه بالطلاق، وكذلك مع موت أحد الزوجين قبل الدخول فإنها تستحق نصف المهر).
وأجاب المجلس العلمي في إضبارة الدعوى ما يعزز هذا الحكم، فحينما علم الزوج أنه سيتضرر من مدونة الأحكام الجعفرية، طلب تطبيق القانون ١٨٨ وأنه لن يختار تطبيق المذهب الجعفري، فتم تأجيل الدعوى، وسنقدم طلباً للزوجة لتطبيق المذهب الجعفري على الزوج الرافض له!
لا سيما وأن البند (أ) من الفقرة (٣) من المادة (٢) التي أضيفت إلى القانون ١٨٨ بموجب تعديل رقم (١) لسنة (٢٠٢٥) واضحة في إعطاء حق تطبيق المذهب الجعفري لأي من الزوجين “وبالنسبة إلى عقود الزواج التي أبرمت وسجلت قبل تاريخ نفاذ هذا القانون يحق لكل من طرفيها كاملي الأهلية تقديم طلب إلى محكمة الأحوال الشخصية لتطبق عليهما وعلى أولادهما القاصرين الأحكام الشرعية للأحوال الشخصية في المذهب الشيعي الجعفري إذا كان العقد وقع وفق هذا المذهب، ويُستدل على ذلك بتضمنه استحقاق المهر المؤجل عند المطالبة والميسرة”.
انظروا معي متى يرفع الزوج شعار تطبيق المذهب الجعفري ومتى لا يريده وكذلك الزوجة، إنها المصلحة الشخصية ولا علاقة لها بعقيدة أو موقف إلا ما ندر، ونتمنى أن لا يملأ بعض المتشدقين رؤوسنا ويتهموننا بما تمتلئ أفواههم من ألفاظ نابية، متخذين شعار تطبيق المذهب الجعفري عنواناً لهم، فأغلبهم حينما يُبتلون بما ابتلي به هذا الزوج المسكين، سيفرضون أحكام المذهب ويريدون قانون ١٨٨ كي يتخلصوا من دفع أي مبلغ لزوجاتهم أو مطلقاتهم ولا ألومهم على ذلك، فهذه هي طبيعة كل إنسان لا يريد أن يخسر شيئاً، والغاية عنده تبرر الوسيلة، ألم يصدح قبل أكثر من ألف سنة، أبي عبدالله الحسين بن علي (ع):
الناس عبيد الدنيا، والدين لعق على ألسنتهم، يحوطونه ما درّت معايشهم، فإذا مُحّصوا بالبلاء قلّ الديّانون!
وهذا لعمري حكم عام وواقعي لا يخرج من إطاره سوى قائله وأمثاله فقط، أما كاتب السطور وأمثاله فكلهم كزوج موكلتي الملتحي المرتدي رداء المذهب الجعفري في أحواله الشخصية، غير أنه لا يمانع من نزعه إن تضرر منه والعودة إلى رداء قانون ١٨٨ بدون تعديل رقم ١ لسنة ٢٠٢٥، فلا يريد مدونة الأحكام الجعفرية خاسراً رجالاً ونساءً، كلاهما في الأمر سواء، وما نسمعه من أقوال ليست سوى شعارات الغرض منها الخلاص من الخسارات، نقطة رأس سطر!
وليد عبدالحسين : محام / الصويرة



إرسال التعليق