أسرار احتلال العراق
لطفي سوقي
في عام 2004، وقف الجيش الأمريكي، أكبر جيش في العالم ، بكلّ ما حمل من حديدٍ ونار و تكنولوجيا ، بربع مليون جندي، وطائراتٍ تنثر الهلاك، ومجنزراتٍ تهدر كالرعد، ودبابات أبرامز الحديثة … وقف هذا الجيش العملاق عاجز أمام مدينةٍ صغيرة، اسمها الفلوجة .
واجهه مئاتٌ من المجاهدين فقط ، أسلحتهم خفيفة من بنادق كلاشنيكوف و بضع صواريخ RPG-7 ، و كان يعتقد أن تسقط هذه المدينة الصغيرة في ساعات ، لكنها صمدت لثلاثين يومًا كاملة من القتال الضاري، قبل أن تنتهي المعركة بنتيجة غير متوقعة ، بهزيمةٍ عسكرية مدوية للجيش الأمريكي، أجبرته على القبول بشروط المقاومة. وكانت تلك هي المعاهدة الوحيدة في تاريخ الولايات المتحدة التي توقعها مع مدينة.
مدينة!
لا دولة، ولا جيش نظامي، بل مدينةٌ صغيرة تهزم و تذل الولايات المتحدة الأمريكية ..
بينما كان العراق كله و عاصمته بغداد قد سقط في ثلاث أسابيع فقط ، رغم أن الجيش العراقي البعثي—ذلك الذي قيل عنه يومًا إنه “رابع أقوى جيش في العالم”—يمتلك أكثر من مليون جندي ، وما يقرب من 5,500 دبابة ، وآلاف المدرعات والمدافع و العجلات العسكرية و الأسلحة الثقيلة .
وكان الحرس الجمهوري ، زينة النظام و نخبته ، يمتلك وحده 750 دبابة و مئات العربات BMP-1 وBMP-2 و مدفعية 122 و152 مم ، و يتمتع بتسليح و تدريب عسكري يتفوّق على المارينز الأمريكي.
ورغم كل هذا، لم يصمد الجيش العراقي إلا أيامًا معدودة أمام الغزو الأمريكي البريطاني. انهارت الوحدات، وتفككت القيادات، بعد أن كانت بغداد—المدينة الضخمة التي تبلغ مساحتها نحو 900 كم² ويقطنها ما يقرب من 8 ملايين نسمة—تحت حكمٍ بعثي دام أكثر من 34 سنة، بشبكة معقدة من جهاز مخابرات رهيب يراقب كل شبر في البلاد، ويحصي أنفاس الناس .
سقط النظام و تفكّكت ألوية، وضاعت كتائب، وتحولت معسكراتٌ كاملة إلى فراغ، كأنه جيش من رمل مرّ عليه ماء الخيانة، فذاب كلّ شيء.
كان يمكن لبغداد وحدها —لو أرادت، لو امتلكت عقيدة القتال، لو كان في قلب قيادتها شيء من الشرف—أن تتحوّل إلى ستالينغراد جديدة .
فما الذي كانت تحتاجه المدينة؟
لم تكن تحتاج معجزات… بل تحتاج ما امتلكته ستالينغراد يوم قررت أن تُحاصر الجيش النا..زي داخل شوارعها.
كانت بغداد مدينةً هائلة مقارنة بالفلوجة الصغيرة :
900 كيلومتر مربع من الأحياء الضيقة، والأسواق المتشابكة، والممرات التي يمكن أن تضيع فيها فرق كاملة من المارينز.
ثمانية ملايين إنسان قادرون—لو تحركوا—على تحويل كلّ بيتٍ إلى كمين، وكلّ سطحٍ إلى قنّاص، وكلّ زقاقٍ إلى فخّ.
وكان بإمكان الحرس الجمهوري، بكلّ عدته و تسليحه و تدريبه الجيد ، أن يتحصن في جسد المدينة، كأشباحٍ مسلحة، مستعينا بشبكة المخابرات البعثية الرهيبة ، ليستنزف الجيش الأمريكي في حرب شوارع ، يومًا بعد يوم، شارعًا بعد شارع.
لو تحوّلت بغداد إلى مدينة مقاومة ، لكانت معركة سقوطها حربَ سنوات، لا حربَ ساعات.
كانت الجسور فوق دجلة يمكن أن تصير خطوط حصار، والطرقات حقول عبوات، والبيوت حصونًا صغيرة؛ حرب شوارعٍ لا يخرج منها الجيش الأمريكي إلا منهزما ، كما خرج النا…زيون من ستالينغراد وقد فقدوا روحهم قبل جنودهم.
لكن الجيش البعثي في بغداد كان أقل من أن يخلق مقاومة حقيقية ، مع غياب العقيدة، وطغيان الفساد و الاستبداد .
فانهارت المدينة في أيام ، بعدما كان يمكنها أن تقاتل سنوات تخرج منها الامبراطورية الأمريكية مهزومة .
فإذا رأيت اليوم جيوشك العربية في عروضها العسكرية—طوابير الدبابات تتمايل في الشوارع، والصواريخ الملوّنة و الطائرات —فلا يخدعك البريق.
تذكّر جيش صدام، جيش الملايين والدبابات، وكيف تبدّد عند أول امتحان.
فهذه الجيوش العربية لا تُبنى للمعارك، بل تُبنى للمنصّات.
جيوش تبنى على أعين الأعداء ، لا تُدرّب كي تهزم العدوّ، بل كي تُرهب الشعب و تكون حصنا لحماية الكاغية .
جيشٌ يقف مستقيمًا أمام الطاغية في العرض العسكري، فإذا التقى العدوّ خلع بزّته، ورمى خوذته، وفرّ كالأرنب حين يسمع وقع الرصاص .



إرسال التعليق