مجتمع

حقيقة المشاهد الحميمية في السينما

لطالما كانت المشاهد الحميمية (Intimacy Scenes) في الأفلام والمسلسلات محط فضول وتساؤلات الجمهور، وأشعلت جدلاً واسعاً حول حقيقتها وكواليس تصويرها. فهل كانت تلك المشاهد حقيقية بالفعل قبل عقود؟ وكيف تطورت آليات تصويرها لتصبح أكثر أماناً ومهنية بعد ظهور منسقي المشاهد الحميمية؟
هل هي حقيقية؟
الإجابة القطعية هي لا، المشاهد الحميمية في هوليوود ليست حقيقية بالمعنى الحرفي.
تعتمد صناعة السينما على الخداع البصري والتقنيات السينمائية لخلق الإيهام بالواقع. فالهدف هو إيصال العاطفة والقصة للمشاهد دون إجبار الممثلين على القيام بعلاقات حميمية فعلية. تاريخياً، اعتمدت هوليوود على:
الزوايا الذكية للكاميرا: يتم التصوير بطريقة لا تكشف الأجزاء الحساسة أو الفعل الحميم المباشر.
تستخدم أدوات مخصصة مثل أقمشة أو وسادات أو ملابس داخلية بلون البشرة لتغطية المناطق الحساسة ومنع التلامس الجسدي المباشر بين الممثلين.
بدلاء الجسد (Body Doubles): في بعض الحالات، يتم الاستعانة بممثلين بدلاء لتصوير لقطات محددة تتطلب تعرياً أو احتكاكاً جسدياً يتجاوز حدود الممثل الأصلي.
ومع ذلك، فإن غياب التلامس الحقيقي لم يكن يعني غياب المخاطر النفسية والمهنية في الماضي.
قبل ظهور وظيفة “منسق الحميمية” (Intimacy Coordinator)، كانت المشاهد الحميمية تقع في منطقة رمادية يسودها غياب البروتوكولات الواضحة، مما عرض العديد من الممثلين والممثلات لمواقف صعبة ومحرجة، وأحياناً انتهاكات صريحة.
سيطرة المخرج المطلقة: كان المخرج هو صاحب القرار الأوحد، ويُترك للممثلين الاعتماد على الغريزة المهنية أو توجيهات عامة مثل “افعل ما تشعر بالارتياح له”. هذا الجو كان يولد الضغط على الممثلين، خاصة المبتدئين أو النساء، للموافقة على المشاهد خشية الإضرار بمسيرتهم المهنية.
فوضى “الموافقة”: لم تكن عملية الموافقة (Consent) واضحة أو موثقة. فالممثل قد يوافق على المشهد في النص، لكنه يشعر بالضيق أثناء التصوير بسبب توجيهات غير متوقعة أو وجود عدد كبير من طاقم العمل.
المشكلات النفسية: عبرت ممثلات مثل ميلا كونيس عن شعورهن بالغرابة وعدم الارتياح أثناء التصوير بسبب وجود طاقم عمل كبير والإضاءة المحيطة، بينما أشارت نتالي بورتمان إلى التوتر الشديد الذي دفعها للتحدث مع شريكها في المشهد عن أمور خارج سياق التصوير محاولةً تخفيف الإحراج.
الضغوط والتعرّي الإجباري: كشفت حملة #MeToo عن قصص صادمة حول مخرجين ومنتجين استغلوا سلطتهم لانتهاك حدود الممثلين، الأمر الذي سرّع من ضرورة التغيير.
مع انطلاق حركة #MeToo، وما تلاها من فضائح جنسية في هوليوود (أبرزها فضيحة هارفي واينستين)، بدأ التفكير بجدية في حماية الممثلين. هنا ظهرت وظيفة “منسق الحميمية” (Intimacy Coordinator) والتي اعتمدتها شبكات كبرى مثل HBO في أعمالها، مثل مسلسل The Deuce، لتصبح الآن مطلباً أساسياً في العديد من الأعمال.
ما دور منسق الحميمية؟
منسق الحميمية هو محترف مدرب يعمل كوسيط بين الممثلين والمخرج لضمان:
الموافقة المستنيرة: التأكد من أن جميع الممثلين موافقون تماماً ومسبقاً على تفاصيل المشهد خطوة بخطوة، وتحديد الحدود الجسدية التي لا يجب تجاوزها. هذه الحدود يمكن تغييرها في أي لحظة.
التصميم الحركي (Choreography): تصميم حركات المشهد بدقة عالية، تماماً كما يتم في مشاهد القتال، لتبدو حقيقية على الشاشة دون أن تكون كذلك فعلياً. على سبيل المثال، توجيه الممثلين حول كيفية التموضع لتبدو القبلة عميقة دون تلامس مباشر، أو استخدام “الحواجز” كما ذُكر.
بيئة آمنة: المطالبة بتطبيق بروتوكولات “موقع التصوير المغلق” (Closed Set Protocol)؛ أي تقليل عدد الحاضرين في موقع التصوير لأدنى حد ممكن (عادة المخرج، المصور، ومنسق الحميمية فقط)، لضمان راحة الممثلين.
الدعم النفسي والجسدي: توفير الدعم للممثلين قبل وأثناء وبعد المشهد، والتأكد من توفر المعدات اللازمة (مثل العوازل الواقية) لضمان عدم حدوث تلامس جسدي مباشر.
الممثلون: مواقف متضاربة تجاه المشاهد الحميمية
تتباين مواقف الممثلين من المشاهد الحميمية، خاصةً بعد استحداث دور المنسق:
الممثلون الذين واجهوا مشكلات أو رفضوا:
هناك ممثلون واجهوا ضغطاً كبيراً أو رفضوا المشاهد الحميمية بشكل قاطع في مسيرتهم:
كيرا نايتلي: عبّرت عن شعورها بالتوتر الشديد في تصوير المشاهد، بل وذكرت في إحدى تجاربها أنها هددت شريكها الممثل في حال تجاوز الحدود الجسدية المتفق عليها.
روبرت باتنسون: بطل سلسلة Twilight، كشف عن توتره الشديد أثناء تصوير المشاهد الحميمية لدرجة أنه لم يكن يتحكم في تعرّقه.
سارة جيسيكا باركر: اشترطت في عقودها (مثل مسلسل Sex and the City) بنداً لعدم التعري نهائياً، مما يدل على إصرارها على وضع حدود واضحة.
هناك من تقبلوا الأمر بلا مشاكل، أو عبروا عن الراحة والأمان بعد ظهور منسق الحميمية:
سيدني سويني (نجمة مسلسل Euphoria): صرحت بأنها لم تشعر أبداً بعدم الارتياح بفضل الوجود المستمر لمنسقات الحميمية، واصفة البيئة بأنها آمنة للغاية.
آنا باكوين (نجمة True Blood): ذكرت أنها لا تجد أي شعور بالغرابة طالما تؤدي المشاهد مع ممثلين تعتبرهم أصدقاء.
جيك جيلينهال: تحدث بفخر عن نجاحه في إيصال الإثارة المطلوبة في مشهده مع آن هاثاواي بفيلم Love & Other Drugs، مع تأكيده على ضرورة حماية شريكته الممثلة والتأكد من راحتها.
ومع ذلك، ظهرت بعض الانتقادات لعمل المنسقين من ممثلين مخضرمين مثل غوينيث بالترو، التي عبرت عن شعورها بـعدم الارتياح بوجود المنسق، معتقدة أنه قد يمنع الممثلين من الإبداع والارتجال.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى