لماذا تُجمّل أمريكا وجه الإرهاب بدعوتها الجولاني إلى البيت الأبيض؟

د. محمود عباس
رغم أن الولايات المتحدة، كإمبراطورية كبرى، لم تُخفِ يومًا أنّ مصالحها تعلو على أيّ مبدأ أو تحالف، فإنّ إدارة ترامب بلغت ذروة هذا النهج حين قدّمت معادلة المصالح على القيم، والصفقات على المبادئ. تلك الإدارة التي لم تتردّد في توجيه دعوة إلى الجولاني، رئيس ما يسمى بالحكومة السورية الانتقالية، المدرج رسميًا على لوائح الإرهاب، بينما تجاهلت القوى الكوردية التي خاضت حربًا وجودية ضدّ الإرهاب ودافعت عن القيم التي تتغنى بها واشنطن ذاتها.
وبذلك، تكون أمريكا، في مظهرها العلني، قد طعنت فيما تبقّى من مصداقية أخلاقية في سجلّ علاقاتها الدولية، مؤكدة أن القيم، في قاموسها السياسي، لا تتجاوز كونها ورقة تفاوض موسمية، خاصة عندما فرضت إملاءات، على مجلس الأمن واتفقت مع الصين لئلا تعترض على إزالة اسم الإرهابيين الجولاني ووزيره من قائمة الإرهاب، وفرضت أيضا على وزارة المالية أن تفعل مثلها خلال يومين.
خارج هذه المعادلة الإنسانية والحضارية، وحيث الصراع السياسي والإستراتيجية الأمريكية في الشرق الأوسط، دُعي الجولاني إلى البيت الأبيض، لا تكريمًا ولا اعترافًا، بل لإملاء الشروط عليه في لقاءٍ يشي بأنّ صفحة جديدة تُكتب لسوريا من خلف الستار.
أول هذه الشروط، الانضمام إلى التحالف الدولي لمحاربة الإرهاب، في وقتٍ لم تعد فيه صفة الإرهاب حكرًا على بقايا “داعش”، بل اتسعت لتشمل المنظمات التي تدعم حكومته ذاتها، وهي في معظمها أدوات تركية تتحرك وفق أجندات الهيمنة على الشمال السوري. والأهم على الأرجح محاربة حزب الله نيابة عن إسرائيل، وسيجدون مبررا لهيئة تحرير الشام والمنظمات السنية التكفيرية الأخرى للقيام بالعملية، الكل يتذكر تصريحات حسن نصر الله الحاقدة، وكيف كان يجند ويرسل مجموعات من حزب الله للقيام بعمليات إجرامية واسعة ضد المجتمع السوري وحاربوا مع الأسد إلى جانب الميليشيات الإيرانية الذين اختفوا خلال ثمانية أيام من على الساحة السورية، ومعظمهم الأن في حضانة حزب الله. دونها ربما سيكون اللقاء مقدّمةً لإنهاء حكومة الشرع أو تمهيدًا لاستبدالها، متى قررت واشنطن أنّ مهمتها انتهت.
أما الشرط الثاني، فكان قبول التطبيع مع إسرائيل وفق الحدود التي ترسمها تل أبيب، لا واشنطن، في إطار المشروع الأوسع لتغيير ملامح الشرق الأوسط الجيوسياسية، ذلك المشروع الذي يُرعب أنقرة أكثر من أي دولة، لأنها تدرك أنّ نهايته ستكون على حساب أطماعها العثمانية المترهّلة.
الشرط الثالث جاء كصفعةٍ لتركيا، ضم الحكومة السورية الانتقالية إلى التحالف الدولي، وبها سيتم الحفاظ على خصوصية قوات قسد كأحد قوى التحالف الدولي، وبها سيتم كبح جماح تدخلها العسكري في الشمال السوري، ووقف صراعها مع قوات سوريا الديمقراطية، وهي القوة التي تمثل أحد أعمدة التحالف الدولي. بمعنى آخر، تريد واشنطن تكريس معادلة الردع ضدّ أنقرة بعد أن استنفدت دورها المزدوج بين موسكو وطهران وواشنطن.
أما البند الرابع فاقتصادي بحت: القبول بالإملاءات الأمريكية مقابل تخفيف جزئي للحصار الاقتصادي، وهو شكلٌ جديد من المقايضة يُعيد إنتاج الاقتصاد السوري القديم في عباءةٍ “حديثة” مزيّنة بشعارات الإصلاح والانفتاح.
وفي الكواليس، تعمل منظمة ترامب الاستثمارية، التي يترأسها أبناؤه خاصة دونالد جون ترامب، الذي شارك في الندوة الاستثمارية التي عقدت في الرياض، وكان جالسا بجانب الأمير محمد بن سلمان وأحمد الشرع، إضافة إلى شركات صهره جاريد كوشنير، على التمهيد للدخول إلى السوق السورية تحت اسم “الشركات الأمريكية”، في سباقٍ لاحتكار عقود الإعمار بالتنسيق مع السعودية. وليس من قبيل المصادفة أن يُدعى الأمير محمد بن سلمان إلى واشنطن بعد أحمد الشرع بثمانية أيام فقط، فالصفقات السياسية في العالم الجديد لا تكتمل إلا حين تُغلّف برأس مالٍ يضفي عليها شرعية الربح.
ولا شكّ أن واشنطن ستُصغي للجولاني، لا بدافع الاعتراف به، بل لاختبار مدى استعداده للانصياع. فمطالبه معروفة ومحدودة:
أولًا، طلب المساعدات الاقتصادية والاستثمارات لتجميل صورته وإضفاء شرعية على سلطته المتهالكة.
ثانيًا، رفع العقوبات الاقتصادية عن سوريا بذريعة إنقاذ الشعب، بينما الهدف الحقيقي هو إنقاذ حكومته من السقوط.
ثالثًا، وساطة أمريكية للتقارب مع قوات قسد على خلفية الانضمام للتحالف الدولي، في رسالة غير مباشرة لتركيا لتخفيف ضغطها وفسح المجال لحوارٍ كوردي–عربي ترفضه أنقرة بشدة، لأنّه وحده كفيل بإعادة التوازن إلى سوريا المستقبل.
إنها ليست زيارة سياسية عابرة، بل خطوة محسوبة في رقعة الشطرنج الشرق أوسطية.
ففي عالم المصالح الأمريكية، لا فرق بين إرهابيٍّ مطيع وحليفٍ يُطيع أكثر، كلاهما ورقتان في يد واشنطن، تُستخدمان حينًا وتُحرقان حين تنتهي الحاجة إليهما.
د. محمود عباس
الولايات المتحدة الأمريكية



