اخر الاخبار

القانون يحمي الفاسدين عندما يتحول مبدأ عدم التشهير إلى غطاء للفساد

رحيم حمادي غضبان

في ظل ما يشهده المجتمع العراقي من تفاقم في مظاهر الفساد الإداري والسياسي، أصبحت وسائل التواصل الاجتماعي والإعلام من أهم أدوات التوعية والرقابة الشعبية. فهي المنبر الذي يلجأ إليه المواطن ليعبّر عن رأيه ويحذر من الانحرافات والتجاوزات التي تهدد الصالح العام، خاصة في الطبقة السياسية والإدارية، حيث تتكرر صور الغش والاحتيال واستغلال النفوذ. ومع ضعف الأجهزة الرقابية الرسمية، بات الإعلام ومنصات التواصل سلاح المجتمع الأول لكشف الفساد وحماية المال العام.

إلا أن المفارقة المؤلمة تكمن في أن القانون العراقي، بدلاً من أن يساند هذه الجهود الوطنية، أصبح في كثير من الحالات غطاءً يحتمي به الفاسدون من خلال تطبيق مبدأ “منع التشهير” الذي ورد في قانون العقوبات. فالنص القانوني الذي وُضع أصلاً لحماية الأفراد من الكذب والإساءة اللفظية، يُستعمل اليوم أحياناً لإسكات الأصوات الحرة التي تنشر حقائق أو تحذيرات تمس الشأن العام. وهكذا تحوّل القانون في التطبيق إلى أداة تقيّد الرقابة الشعبية وتحمي من كان ينبغي مساءلته.

ومن الأمثلة الواقعية على ذلك، ما يحدث حين يظهر أحد المرشحين للبرلمان في لقاء تلفزيوني، فيقوم أحد المواطنين بالتعليق على الفيديو المنشور قائلًا إن هذا الشخص نصّاب، وإن والده محكوم وفق أحكام المادة (456) من قانون العقوبات الخاصة بالاحتيال، وأخاه متهم هارب، وهو نفسه سبق أن أُحيل إلى محكمة الجنح وفق المادة ذاتها. فيبادر المرشح إلى إقامة دعوى قضائية بتهمة التشهير والإساءة إلى السمعة، فيجد المواطن نفسه متهماً أمام القضاء، رغم أن كلامه يستند إلى وقائع حقيقية وهدفه التحذير للصالح العام. فهل يُعقل أن يُلاحق القانون من يحذر الناس من الفاسدين، بينما يمنح الحماية لمن يسعى للوصول إلى مواقع القرار رغم تاريخه القضائي أو الأخلاقي المشبوه؟ أليس من حق المواطن أن يعرف خلفية المرشحين قبل أن يمنحهم صوته؟

إن جوهر المشكلة ليس في وجود نص يجرّم التشهير، بل في طريقة تفسيره وتطبيقه. فالمادتان (433 و434) من قانون العقوبات العراقي رقم (111) لسنة 1969 تنصان على أن القذف هو إسناد واقعة إلى شخص تجعله محل ازدراء أو عقاب، ويُعاقب فاعله بالحبس أو الغرامة، أما السب فهو إهانة شخص أو الحط من قدره دون إسناد واقعة محددة. هذه النصوص تبدو من حيث المبدأ منطقية لحماية السمعة، لكنها لا تميّز بين من يختلق الكذب بقصد الإساءة، ومن ينشر حقيقة ثابتة بقصد التحذير والنفع العام.

في المقابل، نجد أن بعض التشريعات المتقدمة تفرّق بوضوح بين التشهير الضار والنقد المشروع. ففي القانون المصري مثلًا، نصت المادة (302) من قانون العقوبات على أنه لا عقاب إذا كان القذف في حق موظف عام أو من في حكمه، وكان متعلقًا بأعمال وظيفته وثبتت صحة الوقائع. وفي القانون الفرنسي أقر القضاء أن من يعمل في الشأن العام أو يترشح له يُعد شخصية عامة، وتخضع أفعاله وماضيه لتدقيق أوسع من المواطن العادي. هذه النصوص تستند إلى مبدأ أساسي هو أن من يتولى الشأن العام أو يسعى إليه يضع نفسه طوعًا في دائرة المساءلة، وأن الشفافية جزء من الثقة العامة.

أما في العراق، فغياب هذا التمييز يجعل من القانون سلاحًا ذا حد واحد يُستخدم لإسكات الناقدين بدل محاسبة الفاسدين. لذلك فإن الحاجة ملحّة إلى تعديل تشريعي يضمن حماية من يكشفون الفساد في إطار المصلحة العامة، وينص بوضوح على أن النشر أو التصريح الذي يتناول شخصًا عامًا أو مرشحًا لمنصب رسمي لا يُعد تشهيرًا إذا كان مستندًا إلى وقائع حقيقية أو أدلة معقولة، أو إذا كان القصد منه حماية الصالح العام.

إن مثل هذا التعديل لا ينتقص من قيمة القانون، بل يعيد إليه توازنه ويجعل منه أداة لحماية المجتمع لا وسيلة لحماية المفسدين. فالقانون الذي لا يميز بين الكلمة الصادقة والافتراء سيتحول إلى جدار يختبئ خلفه من أساء، ويُعاقب من حاول الإصلاح. الكلمة الصادقة ليست جريمة، بل واجب وطني وأخلاقي، ما دامت تستند إلى دليل وتهدف إلى مصلحة عامة. وإن استمرار تطبيق قانون “منع التشهير” بهذه الصيغة الحالية يجعل من العدالة سيفًا مقلوبًا، يضرب المصلحين ويترك الفاسدين في مأمن من المساءلة. فالمجتمع الذي يُجرَّم فيه التحذير من الفساد، سيبقى أسيرًا للفاسدين مهما تغيّرت الوجوه، ومتى ما خنق القانون الكلمة الحرة، مات الضمير العام، وانطفأ صوت الإصلاح.

إرسال التعليق

اخبار قد تهمك