ترامب يدعم حق إسرائيل في الانتقام
نهاد ابو غوش
في اليوم التاسع عشر لبدء تطبيق اتفاق وقف اطلاق النار بناء على خطة الرئيس الأميركي دونالد ترامب، شنّ جيش الاحتلال الإسرائيلي سلسلة من الهجمات على مناطق متعددة في قطاع غزة أسفرت عن استشهاد أكثر من 45 فلسطينيا وإصابة المئات، في هجوم هو الأعنف منذ العاشر من أوكتوبر. جاء الهجوم لأسباب “انتقامية” صريحة بذرائع وحجج لم يثبت منها شيء إطلاقا، ومن ضمنها أن حركة المقاومة الاسلامية حماس تتلكأ في تسليم جثث القتلى الإسرائيلي أو أنها نفذت هجوما في رفح. وكلا الذريعتين متهالكتين وكاذبتين فليس لحماس أو اي من قوى المقاومة أية مصلحة في الاحتفاظ بجثة وخاصة بعد ان سلمت كل الأسرى الأحياء، كما أنه ليس ما يثبت صحة وقوع الاعتداءات المزعومة وخاصة أنه لم يجر الحديث عن أي إصابات في صفوف جيش الاحتلال، كما أن الهجوم الفلسطيني المزعوم وقع في منطقة واقعة تحت سيطرة إسرائيلية مطلقة، ولا وجود فيها لي قوات أو مجموعات مقاومة ولا حتى للمدنيين الفلسطينيين من سكان رفح، القوة الوحيدة في المنطقة هي لجيش الاحتلال واحتمال تواجد عناصر من عصابات اللصوص التي شكلتها إسرائيل ودعمتها لبث الفوضى في قطاع غزة. إسرائيل أعلنت أنها أبلغت الإدارة الأميركية عن نيتها تنفيذ الهجوم – وهذا دليل إضافي على أن الأهداف ليست عسكرية بل انتقامية، المهم إيقاع خسائر بالفلسطينيين- وهو ما رد عليه الرئيس ترامب نفسه بتفهم دوافع الهجوم وتبريره، وبالتالي بات ترامب يدعم حق إسرائيل في الانتقام وقتل أكبر عدد من الفلسطينيين ولم يعد يكتفي بالاسطوانة المشروخة عن حق إسرائيل في الدفاع عن النفس الذي تحول لحقها في إبادة الفلسطينيين، وهو في هذه الحالة كما في كل الحالات الأخرى يصدق ما تقوله إسرائيل، ويتبنى تبريراتها وأكاذيبها، ولا يكلف نفسه عبء التحقق من هذه المعلومات، وهذا الأمر بحد ذاته هو اختبار لدور الدول الوسيطة والدول التي كانت شاهدة على اتفاق شرم الشيخ.
هذا الاعتداء الأخير يرفع عدد الشهداء منذ سريان الاتفاق إلى نحو 180 شهيدا فلسطينيا، وهو ما يؤكد أن إسرائيل تريد عرقلة الانتقال إلى المراحل التالية للمرحلة الأولى، أو أنها تريد تكريس وترسيخ اتفاق وقف النار على طريقتها ” أي التزام من جانب واحد هو الطرف الفلسطيني، وحق إسرائيل في العمل متى شاءت وكيفما شاءت وبناء على تقديراتها هي، وهذا ما يذكرنا بالنموذج اللبناني لوقف إطلاق النار، والذي تعطي فيه إسرائيل نفسها الحق في فرض تنفيذ اتفاق 1702 بالكيفية التي تفهمها، وبموجب وثيقة ضمانات جانبية بينها وبين الإدارة الأميركية.
دولة الاحتلال لم تلتزم يوما بوقف إطلاق النار منذ بدء سريان الاتفاق وفق خطة ترامب في العاشر من اوكتوبر الماضي، وإذا عدنا ليوميات ما جرى منذ ذلك التاريخ سنجد أن إسرائيل لم توفّر حيلة أو ذريعة إلا واستخدمتها لخرق الاتفاق، حيث سجل أكثر من 115 حالة خرق، أدت إلى استشهاد نحو 120 مواطنا وإصابة اكثر من 350 آخرين، أما الذرائع فهي تتراوح بين عدم التزام المقاومة بشروط الاتفاق مثل التأخر في تسليم الجثث، أو وقوع حوادث وانفجارات التي قد تكون انفجارات عرضية، وربما حوادث “تشغيلية” لمركبات الاحتلال، أو بزعم إحباط محاولات المقاومة لإعادة بناء قواتها أو اجتياز الخط الأصفر. خلفية هذه الخروقات هي أن إسرائيل لم تكن راضية تماما عن خطة ترامب، لكنها وافقت عليها بفعل ضغوط الرئيس الأميركي الذي قال للإسرائيليين ” لا يمكن لكم ان تحاربوا العالم أجمع”، فالاتفاق، وعلى الرغم من أنه استجاب لمطالب الاحتلال وجعل لها الأولوية المطلقة في التنفيذ مثل إعادة الأسرى والجثث، إلا أنه يشمل نقاطا تستجيب للمطالب الجوهرية الفلسطينية واهمها وقف الحرب والتراجع عن مخطط التهجير والانسحاب وإدخال المساعدات الإنسانية، لكن بصمات إسرائيل واضحة في الاتفاق من خلال تأجيل الاستجابة للمطالب الفلسطينية، ورهنها بشروط يبدو بعضها تعجيزيا، والغموض الذي يكتنف كثيرا من البنود، ما يجعل إسرائيل للادعاء بأنها هي صاحبة الحق في التفسير، معتمدة على الدعم الأميركي المطلق، وأن الاتفاق قد خفف من تسليط الأضواء على غزة ومن اهتمام العالم بها، رئيس وزراء إسرائيل نتنياهو راهن على الاكتفاء بالمرحلة الأولى ثم المماطلة والتعطيل لعدم الانتقال للمرحلة الثانية، وهذه القضية تمثل اختبارا جديا للإدارة الأميركية وفحصا لمصداقيتها المثقوبة بشأن مدى اهتمامها باستكمال تطبيق الاتفاق.



إرسال التعليق