كيف يصنع الغرب الوحش ثم يعلن الحرب عليه؟
ضيا اسكندر
كاتب
منذ عقود، تتكرر المفارقة ذاتها: الغرب الذي يرفع شعار محاربة الإرهاب، هو نفسه من أسهم في صناعته. ليست هذه مجرد نظريات مؤامرة، بل وقائع موثّقة بدأت من جبال أفغانستان في الثمانينيات، حين دعمت الولايات المتحدة وحلفاؤها المجاهدين ضد السوفييت، ففتحت صناديق المال والسلاح، وتحوّل كثير من المقاتلين إلى نواة تنظيم “القاعدة”.
ثم جاء الغزو الأميركي للعراق عام 2003، ففكّك الدولة والجيش، وخلق فراغاً أمنياً مهّد لولادة “داعش”. وفي سوريا، ضُخّت الأموال والأسلحة في يد فصائل مسلحة، بعضها تحوّل إلى جماعات متطرفة، وليبيا بعد سقوط نظامها لم تشذّ عن القاعدة: انهيار مؤسسات الدولة فتح الطريق لانتشار المليشيات وتغلغل الجماعات المتطرفة في مناطق عديدة من البلاد.
الغرب يدعم الجماعات المسلحة حين تخدم مصالحه: لإسقاط نظام، أو لمحاصرة خصم، أو لتبرير وجود عسكري. وحين تنقلب هذه الجماعات إلى خطر، يتحول الخطاب إلى دعوات لمحاربة الإرهاب و”حماية العالم الحر”.
هكذا يُعاد تدوير المشهد: يُخلق الوحش، ثم تُعلن الحرب عليه، لتبرير تدخلات جديدة وإنعاش صناعة السلاح.
الإرهاب لم يكن يوماً فكرة دينية فقط، بل أداة سياسية لتغيير خرائط النفوذ وابتزاز الشعوب. وما إن تنتهي صلاحيته، حتى يُعلن الغرب حرباً جديدة على ما كان بالأمس صنيعة يده.
وبين دورة وأخرى، يبقى الضحايا هم الشعوب التي تُركت بين مطرقة الإرهاب وسندان المصالح الدولية.
المأساة أن هذه الدائرة الجهنمية لا تزال تدور، لأن الدم العربي والأفريقي هو الأرخص في معادلات المصالح.
الغرب سيواصل إشعال الحرائق ما دامت تحقق له نفوذاً أو ثروات، وسيبقى العالم يدور في فلك الأكاذيب الكبرى، ما لم يصرخ بصوت واحد: كفى نفاقاً، وكفى عبثاً بمصائر الشعوب.
لكن ليس كل ما يُسمّى “غرباً” سواء. فهناك شعوب تنادي بالعدالة، ومثقفون يفضحون سياسات القهر، وأصوات حرّة في باريس وبرلين وواشنطن ترفض منطق الهيمنة.
وفي المقابل، هناك طبقة من السياسيين وأباطرة المال يرون في العالم خزاناً للموارد، وفي البشر عبيداً لأسواقهم.
هؤلاء يصنعون الإرهاب، ويديرون فوضاه، ويغذّونه بالمال والسلاح، ثم يبيعون صفقات إعادة الإعمار على أنقاض المدن.
ما الحل إذن؟
الحل لا يأتي بالغضب أو الصراخ، بل ببناء وعي جديد، وتعاون حقيقي بين الدول المتضررة في الأمن والتعليم والتنمية.
على الإعلام والمثقفين أن يسمّوا الأشياء بأسمائها دون مواربة، وعلى شعوب الشرق أن تستعيد إرادتها، وتبني تحالفاتها على مصالحها. كما أن على شعوب الغرب الحرة أن تكسر صمتها، فالنار التي تشتعل في الشرق لا تعرف الحدود، ودخانها يخنق من ظنّ نفسه بعيداً.
أخيراً، لا خلاص لشعوب العالم من دون تضامن دولي حقيقي بين أحرار الشرق والغرب لكسر احتكار القوة والمعلومة والمال.
الإرهاب لا يقف عند حدود، ورماده يصل إلى الجميع؛ ومن ثم فإن وحدة إرادات الأحرار هي الطريق الوحيد لإطفاء النار عند مصدرها وإيقاف من يزرعها ويجني منها..
وعندما تتحد هذه الإرادات، لن يبقى مكان للظلام، ولن تستطيع المصالح الخفية أن تحكم مصائر الشعوب بعد اليوم.



إرسال التعليق