قراءة في الاعلان الدستوري للرئيس الفلسطيني
أصدر الرئيس الفلسطيني/ محمود عباس “أبو مازن” إعلانا دستوريا، الأحد الموافق 26/10/2025م، بشأن “شغور مركز رئيس السلطة الوطنية الفلسطينية”. ويقضي الإعلان “إذا شغر مركز رئيس السلطة الوطنية الفلسطينية، في حالة عدم وجود المجلس التشريعي، يتولى نائب رئيس اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية نائب رئيس دولة فلسطين، مهام رئاسة السلطة الوطنية مؤقتا، لمدة لا تزيد على 90 يوما”.
تعليقاً على الإعلان الدستوري الصادر من سعادة الرئيس محمود عباس “أبو مازن” حفظه الله” في خطوة وطنية تحمل أبعادًا إيجابية وشمولية، أتى إعلان سعادة الرئيس محمود عباس “أبو مازن” “حفظه الله” بشأن “شغور مركز رئيس السلطة الوطنية الفلسطينية”.
بداية يعتبر المجلس الوطني الفلسطيني: هو البرلمان الفلسطيني الذي يعد الهيئة التمثيلية التشريعية العليا للشعب الفلسطيني بأسره داخل فلسطين وخارجها، والفلسطينيين سكان المناطق المحتلة عام1967م والفلسطينيين سكان المناطق المحتلة عام 1948م واللاجئون الفلسطينيون في مختلف مناطق لجوئهم وفلسطينيي المنفي، وهو السلطة العليا لمنظمة التحرير الفلسطينية، وهو الذي يضع سياسات المنظمة وخططها، كونه يجسد وحدة الشعب الفلسطيني بمختلف أطيافه. وبناء عليه أضيف بأن الإعلان الرئاسي إيجابي وذلك للاعتبارات التالية:
أولاً: يعزز مبدأ سيادة القانون كما يعتبر وسيلةً لحماية المجتمع الفلسطيني من الفوضى وعدم الاستقرار والعنف، وبناءً عليه؛ فسيادة القانون تعني التزام جميع مكونات المجتمع وسلطات الدولة باحترام القانون بوصفه أساسًا لمشروعية أعمالها والعلاقات فيما بينها، كما أن المقصود بهذا المبدأ قيام مكونات الدولة كافة من السلطات التنفيذية والتشريعية والقضائية النافذة، ويشمل ذلك بالتأكيد الدستور والقوانين والأنظمة الصادرة عن السلطة التنفيذية شريطة توافقها مع القانون والدستور. وقد عبرت المحكمة الدستورية العليا الفلسطينية برام الله بموجب طلب التفسير رقم (10/2018م) في الطلب رقم (10)، لسنة (3) ق “دستورية” الصادر بجلسة 23/12/2018م، المنشور في الوقائع الفلسطينية بموجب عدد ممتاز رقم (19)، ص46 في حكمٍ لها: “وحيث إنه من الضمانات الأساسية لتأسيس دولة مدنية مبنية على احترام الحريات وحقوق الإنسان هو مبدأ سيادة القانون، فلا أحد يعلو عليه…”.
ثانياً: يعزز فكرة التمثيل الفلسطيني لا يمكن اختزاله في شخص أو منصب بعينه، بل هو تجسيد لروح المؤسساتية التي تشمل الجميع وتضمن استمرار العمل الوطني ضمن إطار جامع وشامل موحد يرسخ الوحدة الوطنية بين الشعب الفلسطيني في الداخل والخارج.
ثالثاً: يعزز الديمقراطية بين الشعب الفلسطيني من خلال حق الانتخاب كون أن الديمقراطية تجدد دعامتها في الانتخابات الحرة، والانتخابات الحرة قوامها حرية الرأي والتعبير. وللفلسطينيين حق المشاركة في الحياة السياسية، والتصويت والترشيح في الانتخابات لاختيار ممثلين منهم يتم انتخابهم بالاقتراع العام وفقًا للقانون. وبناء عليه فأن هذا الإعلان يعزز النظام الديمقراطي في دولة فلسطين ويؤكد على ضرورة تمكين الشعب الفلسطيني من قول كلمته واختيار ممثليه عبر انتخابات حرة ونزيهة في ظل الظروف المأساوية التي يعيشها الشعب الفلسطيني في ظل حرب الإبادة الجماعية على قطاع غزة منذ تاريخ 7/10/2023م.
رابعاً: يعتبر الإعلان الرئاسي رسالة للعالم بأن الشعب الفلسطيني متمسك بحقه في تقرير مصيره واختيار قيادته ضمن إطار قانوني دستوري ديمقراطي يعبر عن إرادته الوطنية، ويُرسخ الشرعية الفلسطينية في الداخل والخارج. كما أن هذا الإعلان يؤكد أهمية تعزيز النظام المؤسسي الفلسطيني وترسيخ شرعية التمثيل الوطني الفلسطيني.
خامساً: بالرجوع لعام 2006م حتى تاريخه يعيش المجتمع الفلسطيني في حالة من الانقسام السياسي الذي تجسد بفعل فوز حركة حماس في الانتخابات التشريعية في قطاع غزة، ثم سيطرتها بعد ذلك على قطاع غزة بالقوة منذ منتصف عام 2007م، وترتب على ذلك انقطاع التواصل بين شطريْ الوطن الفلسطيني (الضفة الغربية وقطاع غزة)، حيث أصدر رئيس دولة فلسطين عددًا من المراسيم، ومن ضمنها المرسوم الثاني رقم (9) لسنة 2007م بشأن إعلان حالة الطوارئ: “رئيس اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية رئيس السلطة الوطنية الفلسطينية استنادًا لأحكام الباب السابع من القانون الأساسي المعدل لسنة 2003م وتعديلاته، وبناءً على الصلاحيات المخولة لنا وتحقيقًا للمصلحة العامة، رسمنا بما هو آت: المادة (1) نصت على “إعلان حالة الطوارئ في جميع أراضي السلطة الوطنية الفلسطينية بسبب الحرب الإجرامية في قطاع غزة، والاستيلاء على مقار أجهزة السلطة الوطنية الفلسطينية، والانقلاب العسكري والعصيان المسلح من الميلشيات الخارجة عن القانون على الشرعية الفلسطينية، بهدف تحقيق الأمن والاستقرار للمواطنين وحماية المؤسسات الشرعية الفلسطينية ولمدة ثلاثين يومًا”. ولا تزال حالة الطوارئ مستمرة حتى تاريخه.
سادساً: ووفقًا لنص المادة (103) من القانون الأساسي الفلسطيني لعام 2003م وتعديلاته: “1. تشكل محكمة دستورية عليا بقانون وتتولى النظر في: أ. دستورية القوانين واللوائح أو النظم وغيرها. ب. تفسير نصوص القانون الأساسي والتشريعات. ج. الفصل في تنازع الاختصاص بين الجهات القضائية وبين الجهات الإدارية ذات الاختصاص القضائي. 2. يبين القانون طريقة تشكيل المحكمة الدستورية العليا، والإجراءات الواجبة الاتباع، والآثار المترتبة على أحكامها”. حيث صدر قرار بقانون رقم (57) لسنة 2016م بشأن تشكيل المحكمة الدستورية العليا ووفقًا لنص المادة الأولى من قانون المحكمة الدستورية العليا رقم (3) لسنة 2006م وتعديلاته “1. تنشأ بمقتضى أحكام هذا القانون محكمة دستورية عليا، وهي هيئة قضائية مستقلة قائمة بذاتها في فلسطين، ويشار إليها فيما بعد بالمحكمة. 2. يكون مقر المحكمة في مدينة القدس، وللمحكمة أن تتخذ لها مقرًا مؤقتًا في مدينة رام الله وفي مدينة غزة حسب مقتضى الحال”.
وفي ضوء ذلك: كفل القانون الأساسي الفلسطيني الوسائل القانونية التي تسمح للأفراد بحماية المراكز القانونية وفقًا للنظام القانوني في الدولة، فالشرعية القانونية لا تكتسب قيمتها إلا بالالتزام بالشرعية الدستورية، فلا قيمة للشرعية الدستورية والقانونية ما لم يتوافرْ الضمان الذي يكفل حماية حقوق وحريات الأفراد الأساسية من خطر المساس بها عند التطبيق أو التنفيذ؛ ألَا وهو القضاء وانطلاقًا من سعي المحكمة الدستورية العليا الفلسطينية على تكريس دعائم الشرعية الدستورية والقانونية في دولة ديمقراطية، تعمل المحكمة الدستورية العليا على ترسيخ مبادئ القانون الأساسي الفلسطيني المعدل لعام 2003م وتعديلاته من أجل تعزيز مبدأ المشروعية وسيادة القانون، من خلال حصانته واستقلاله لتصبح القاعدة القانونية محورًا لكل سلطة، ومن المبادئ التي ساقها القانون الأساسي الفلسطيني في نص المادة الثانية منه: “الشعب مصدر السلطات ويمارسها عن طريق السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية على أساس مبدأ الفصل بين السلطات على الوجه المبين في هذا القانون الأساسي”. وهو ما يؤكد اتفاق تصرفات كل من السلطات العامة مع صحيح حكم القانون ويؤخذ هنا من كلمة القانون الأساسي بمعناه الواسع الذي يتضمن الدستور وما انبثق عنه من قواعد قانونية تخضع لحكمه”. وبالرجوع إلى المادة الأولى من قانون المحكمة الدستورية الفلسطيني، نجد أنه أكد على أن المحكمة الدستورية العليا هيئة قضائية مستقلة قائمة بذاتها في فلسطين، لا ينازعها أحد وليس لأحدٍ سلطةٌ عليها، وذلك من أجل حماية القانون الأساسي الفلسطيني الذي هو بمثابة دستور للفلسطينيين، وأيضًا حماية الحقوق والحريات من عسف السلطات العامة.
سابعاً: حيث قضت المحكمة الدستورية العليا الفلسطينية في رام الله في الطعن الدستوري (10/2018م) في الطلب رقم (10) لسنة (3) ق “دستورية” الصادر بتاريخ 23/12/2018م، منشور في الوقائع الفلسطينية، عدد ممتاز (19)، ص162، في أحد أحكامها: “المجلس التشريعي في حالة تعطيل وغياب تام وعدم انعقاده منذ تاريخ 5/7/2007م، وقد انتهت مدة ولايته بتاريخ 25/1/2010م، وأثناء مدة تعطيله وغيابه وما زال معطلًا وغائبًا بشكل كامل حتى الآن، وبناءً عليه فإن المصلحة العليا للشعب الفلسطيني ومصلحة الوطن تقتضي حل المجلس التشريعي المنتخب بتاريخ 25/1/2006م، واعتباره منحلًّا منذ تاريخ إصدار القرار”. وأيضًا أوضحت المحكمة الدستورية العليا الفلسطينية في أحد أحكامها: “وحيث إن سنَّ القوانين هو مما تختص به السلطة التشريعية وفقًا لأحكام القانون الأساسي المعدل لسنة 2003م وتعديلاته، في المادة (47/2)، إلَّا أن هذا القانون قد بيَّنَ ممارسة رئيس الدولة من السلطة التشريعية في أحوال الضرورة أثناء غياب المجلس التشريعي وفقًا لنص المادة (43) من القانون الأساسي الفلسطيني لعام 2003م وتعديلاته….”
ثامناً: بالرجوع إلى القانون الأساسي الفلسطيني لعام 2003م وتعديلاته بموجب نص المادة (37) منه التي حددت حالات شغور منصب رئيس السلطة الوطنية الفلسطينية، حيث نصت على أنه: ” 1. يعتبر مركز رئيس السلطة الوطنية شاغراً في أي من الحالات الآتية: أ. الوفاة . ب. الاستقالة المقدمة إلى المجلس التشريعي الفلسطيني إذا قبلت بأغلبية ثلثي أعضائه. ج. فقد الأهلية القانونية وذلك بناء على قرار من المحكمة الدستورية العليا وموافقة المجلس التشريعي بأغلبية ثلثي أعضائه. 2. إذا شغر مركز رئيس السلطة الوطنية في أي من الحالات السابقة يتولى رئيس المجلس التشريعي الفلسطيني مهام رئاسة السلطة الوطنية مؤقتاً لمـدة لا تزيد عن ستين يوماً تجرى خلالها انتخابات حرة ومباشرة لانتخاب رئيس جديد وفقاً لقانون الانتخابات الفلسطيني”. وفي ضل غياب المجلس التشريعي وفقاً لقرار المحكمة الدستورية العليا الفلسطينية في رام الله في بموجب الطعن الدستوري (10/2018م) في الطلب رقم (10) لسنة (3) ق “دستورية” الصادر بتاريخ 23/12/2018م، والإعلان الدستوري باستحداث منصب نائب رئيس السلطة الوطنية الفلسطينية، ونائب منصب منظمة التحرير الفلسطينية، كما يعتبر المجلس الوطني الفلسطيني، البرلمان الفلسطيني الذي يعد الهيئة التمثيلية التشريعية العليا للشعب الفلسطيني بأسره داخل فلسطين وخارجها، والفلسطينيين سكان المناطق المحتلة عام1967م والفلسطينيين سكان المناطق المحتلة عام 1948م واللاجئون الفلسطينيون في مختلف مناطق لجوئهم وفلسطينيي المنفي، وهو السلطة العليا لمنظمة التحرير الفلسطينية، وهو الذي يضع سياسات المنظمة وخططها، كونه يجسد وحدة الشعب الفلسطيني بمختلف أطيافه، ويمثل أكثر من ثلاثة عشر مليون فلسطيني حول العالم. فإن إعلان الرئيس الفلسطيني” بشأن “شغور مركز رئيس السلطة الوطنية الفلسطينية” إعلانا إيجابي.
وفي ضوء ذلك: كفل القانون الأساسي الفلسطيني لعام 2003م وتعديلاته الوسائل القانونية التي تسمح للأفراد بحماية المراكز القانونية وفقًا للنظام القانوني في الدولة، فالشرعية القانونية لا تكتسب قيمتها إلا بالالتزام بالشرعية الدستورية، فلا قيمة للشرعية الدستورية والقانونية ما لم يتوافرْ الضمان الذي يكفل حماية حقوق وحريات الأفراد الأساسية من خطر المساس بها عند التطبيق أو التنفيذ؛ ألَا وهو القضاء.
الدكتور/ ولاء كمال محمد ماضي



إرسال التعليق