ابن الجنرال الذي تمرّد على أسطورة أبيه
زياد الزبيدي
كان يمكن أن يكون ميكو بيليد اليوم جنرالًا آخر في جيش الإحتلال الإسرائيلي، يسير على خطى أبيه الأسطوري متّي بيليد، أحد مؤسّسي الجيش النظامي لدولة إسرائيل عام 1948، وأحد أبطال حرب 1967. غير أنّ الإبن إختار طريقًا آخر تمامًا: طريق الشكّ، ثم الوعي، فالتبرّؤ من أسطورة القوة التي صاغت وعي الإسرائيليين لعقود.
إنه تمرّد نادر في سجلّ دولة قامت على سردية الخوف الأبدي من الآخر، وعلى تبرير دائم للعنف باسم “البقاء”.
من إرث البندقية إلى درب الضمير
في سيرته الصادمة «إبن الجنرال: رحلة إسرائيلي في فلسطين»، يعيد ميكو بيليد بناء ذاكرة الطفولة داخل بيت عسكري صرف، حيث كانت بطولات الأب وأصدقائه – جنرالات الجيش – هي قصص ما قبل النوم. لكن الفتى الذي كبر على روايات “التحرّر القومي اليهودي” وجد نفسه، مع مرور الوقت، يكتشف أن ذلك التحرّر لم يكن سوى نكبةٍ دائمة لشعبٍ آخر يعيش خلف الأسوار والحواجز.
ينقل بيليد في فصول كتابه الأولى صورة بيتٍ يسكنه التناقض: أمٌّ ترفض السكن في منزلٍ صادرته إسرائيل من عائلة فلسطينية، وأبٌ لا يرى في ذلك التصرّف سوى منطق الحرب. هنا تبدأ أولى الشقوق في جدار الوعي الصهيوني الذي ورثه الكاتب.
بعد حرب 1967، حين شارك والده في إدارة الأراضي المحتلّة، بدأ ماتي بيليد نفسه يكتشف الخديعة الأخلاقية التي وقعت فيها إسرائيل. لقد فهم أنّ “الإحتلال الدائم” ليس أمنًا بل لعنة ستقود إلى تآكل روح الدولة من الداخل. إنضمّ إلى تيّار السلام الناشئ، وصار من أوائل الجنرالات الذين نادوا بإقامة دولة فلسطينية إلى جانب إسرائيل. ومع ذلك، لم يكن الإبن مقتنعًا تمامًا حتى تلك اللحظة.
النكسة الحقيقية: حين نُقتل من داخلنا
جاءت الصدمة الكبرى حين فقد ميكو بيليد إبنة شقيقته ناعومي في تفجيرٍ نفّذه فلسطيني عام 1997 في القدس. كانت تلك اللحظة الفاصلة التي تدفع معظم الإسرائيليين إلى التشدد، لكنها دفعت ميكو إلى الإتجاه المعاكس. فبدل أن يبحث عن الإنتقام، بدأ يسأل عن الأسباب. في تلك اللحظة، تحوّل الوجع الشخصي إلى يقظة إنسانية. أدرك أن الجريمة الحقيقية ليست في الفعل المنعزل، بل في البنية السياسية التي تخلق المأساة كل يوم أي في الإحتلال.
في فصول الكتاب التالية، ينتقل بيليد إلى الولايات المتحدة، حيث يلتقي للمرة الأولى بفلسطينيين خارج إطار “العدو”. هناك، في فضاءٍ حرّ، يتعرّف على الوجوه الأخرى للحكاية: اللاجئون، المثقفون، الطلبة، وأبناء الجيل الثاني للمنفى. معهم بدأ رحلة جديدة نحو فلسطين، لا بالقطار أو الطائرة، بل عبر الوعي والإعتراف بالظلم.
غزة… الرحلة عبر النفق
تكتمل الدائرة في إحدى أكثر محطّات سيرته رمزية. فحين حاول دخول غزة عام 2013، منعته السلطات الإسرائيلية والمصرية على السواء، فإضطرّ إلى العبور من نفقٍ أرضيّ طويل يربط سيناء بالقطاع. إستغرقت الرحلة أربع عشرة ساعة بدل ساعة ونصف. خرج من تحت الأرض ليرى شمس فلسطين التي حُجب عنها طيلة عمره. كان المشهد – كما وصفه لاحقًا في إحدى مقابلاته – أشبه بولادة ثانية:
“جلست هناك أفكّر… أنا على بُعد ساعة وعشرين دقيقة من القدس، لكني إحتجت أربعة عشر ساعة للوصول. أيّ جنون هذا؟ أيّ نظامٍ يستطيع تبرير مثل هذا العبث؟”
يصف بيليد غزة بأنها أكثر مكانٍ مظلوم في العالم: بلا ماء صالح للشرب، بلا إعمار، وبلا أفق، لكنها – ويا للمفارقة – أكثر الأمكنة إمتلاءً بالحياة والأمل. “هناك خمس جامعات في غزة، ومؤسسات ديمقراطية، ومترجمون يترجمون حتى الكتب العبرية. إنهم يعملون ويبدعون رغم كل شيء”، يقول بيليد.
من النفق إلى المنبر
في مقابلةٍ أجراها معه معهد العلاقات الدولية في براغ، بدا بيليد وقد تجاوز مرحلة الوعي الشخصي إلى مرحلة الفعل السياسي–الفكري. تحدّث عن ضرورة تجاوز الصهيونية لا بمعنى إنكار التاريخ اليهودي، بل بتحريره من “الميثولوجيا القومية” التي جعلت من إسرائيل كيانًا عنصريًا بنيويًا. قال بوضوح:
“الذين يملكون الإمتيازات لا يتخلّون عنها طوعًا. لا يمكن إنتظارهم كي يتعلّموا عن الآخر. يحدث التغيير فقط عندما تنهار البنية العنصرية ويُفرض عليهم العيش بالمساواة.”
يرفض بيليد ما يسميه “تطبيع الوعي” عبر المشاريع الرمزية التي تجمع أطفالًا فلسطينيين وإسرائيليين في معسكرات صيفية. “إنها تمنح الوهم بأننا متساوون، بينما يعود الفلسطيني إلى واقعه تحت الإحتلال ويعود الإسرائيلي إلى إمتيازاته”. المعيار الحقيقي، كما يقول، ليس كم طفلًا رقص مع الآخر، بل كم شابًا إسرائيليًا عاد من تلك التجربة ورفض الخدمة العسكرية.
وحين سألته الصحفية التشيكية عن ضرورة “تغيير الخطاب من الإنقسام إلى التوحيد”، أجاب: “هناك قضايا لا مجال للحياد فيها. إمّا أن تكون ضد العنصرية أو معها. لا يمكنك أن تقف في الوسط.”
تمرّد داخل الذاكرة الإسرائيلية
بهذه الصراحة القاطعة، يضع بيليد نفسه خارج “الإجماع القومي” الإسرائيلي، في صفٍّ لا يتّسع إلا لقلّةٍ من المثقفين الذين يواجهون مجتمعهم بالسؤال الأخطر: هل يمكن لدولةٍ تأسّست على الإقصاء أن تتحوّل إلى ديمقراطية حقيقية؟
كتابه ليس فقط سردًا ذاتيًا بل شهادةً من داخل المعسكر الإسرائيلي على زيف الأسطورة المؤسسة. فمن خلال عيون الإبن، نرى كيف تنقلب البطولة العسكرية إلى عبءٍ أخلاقي، وكيف يصبح التحرّر من “الهوية الموروثة” أصعب من التحرّر من الإحتلال نفسه.
في النهاية، لا يبدو ميكو بيليد سياسيًا يساريًا بالمعنى التقليدي، بل فيلسوف تجربة يعيش قناعاته يومًا بيوم. لا يتحدث عن “حلّ الدولتين” بل عن “حلّ الإنسان الواحد”. يؤمن بدولة واحدة ديمقراطية يتساوى فيها الجميع، بلا إمتياز قومي أو ديني. يختصر فكرته في جملة واحدة يقولها ببطء كمن يستعيد ذاكرة شخصية: “إذا كان السلام ممكنًا، فلن يكون بين دولتين بل بين حقيقتين: الحقيقة التي اعغترف بها الفلسطيني منذ البداية، والحقيقة التي يهرب منها الإسرائيلي منذ قيام الدولة.”
خاتمة
بين ذاكرة البيت العسكري في القدس ومشاهد غزة المهدّمة، تمتد رحلة ميكو بيليد كجسرٍ فوق هوّةٍ سحيقة من الخوف والأوهام. “إبن الجنرال” لم يكن فقط إبن رجلٍ صنع الحروب، بل إبن جيلٍ كاملٍ ورث الخوف كهوية. تمرّده على أسطورة أبيه هو تمرّد على بنية كاملة من الوعي الإسرائيلي المغلق.
إنه نفقٌ آخر – هذه المرة نفقٌ من الفكر – يعبره بيليد ليخرج إلى فضاء الإنسانية الأوسع، حيث لا يعود الفلسطيني عدوًا ولا الإسرائيلي ضحية، بل كلاهما سجينًا في متاهة واحدة تبحث عن ضوء العدالة.



إرسال التعليق