الإعلام العربي في حرب الإبادة على غزة: حين صارت الكاميرا هدفًا

زياد الزبيدي
كانت تلك المحطات تقطع البث الحي من غزة لتُطل علينا وجوه الناطقين باسم جيش الاحتلال الإسرائيلي — الجيش نفسه الذي يقصف المدنيين، ويمنع عنهم الماء والدواء والغذاء، ويقترف مجازر إبادة جماعية موثقة بالصوت والصورة.
لم يكن أحد يجبرهم على ذلك. لم تكن هناك ضرورة مهنية ولا أخلاقية لنقل الأكاذيب المباشرة للقاتل، في اللحظة ذاتها التي تُنتزع فيها أنفاس الأطفال من تحت الركام.
الجزيرة نفسها، التي حملت في سنواتٍ سابقة راية الصوت الحر، بدت فجأة وكأنها تخضع لتحولٍ غامضٍ في خطّها التحريري، إذ بدأت تبث خطابات نتنياهو وكأنها بيانات رسمية من مؤسسة محترمة، فيما تحولت “العربية” و”الحدث” إلى أصداءٍ متطابقة مع روايات المتحدثين الإسرائيليين من أمثال أفيخاي أدرعي، في محاولاتٍ متكررةٍ لغسل صورة الجريمة تحت عنوان “التوازن المهني”.
أما “سكاي نيوز عربية”، فحدّث ولا حرج: حيادٌ باردٌ يُساوي بين الضحية والجلاد، بين الطفل المحترق بصاروخٍ وبين الطيار الذي ضغط الزر.
كانت هذه القنوات تمارس ما يمكن وصفه بـ”التطبيع البصري مع الجريمة”؛ إذ تتيح للمجرم مساحة بثٍّ مفتوحة، بينما تخنق صوت الضحية تحت ذرائع “التحقق من المصادر” أو “ضبط العاطفة”.
وهكذا، حين كانت غزة تُباد حيًّا أمام الكاميرات، كان الإعلام العربي الرسمي يُسهم بصمته وانتقائيته في صناعة مشهدٍ إعلاميٍ بلا ضمير.
ويحدث هذا كله بينما تفرض دول الغرب، وعلى رأسها الولايات المتحدة وبريطانيا وألمانيا، قيودًا صارمة على أي تحركٍ داعمٍ لفلسطين، فتمنع التظاهرات، وتلاحق الصحفيين المستقلين، وتحجب المنصات التي تنشر صور المجازر.
حتى بدا وكأن العالم بأسره يشارك في “تجريم التعاطف”، ويمنع الناس من رؤية ما لا يريد لهم أن يعرفوه.
إغتيال الصحافة في غزة
وفق أحدث بيانات لجنة حماية الصحفيين (CPJ)، حتى 24 تموز/يوليو 2025، تم توثيق مقتل 186 صحفيًا وعاملًا إعلاميًا منذ اندلاع العدوان الإسرائيلي على غزة في 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023، من بينهم 178 فلسطينيًا.
وتضيف مراسلون بلا حدود (RSF) أن العدد الحقيقي يتجاوز 200 صحفي، بينهم من استُهدف عمدًا أثناء أداء مهامه الميدانية.
تقول المنظمة في تقريرها الصادر في حزيران/يونيو 2025 إن “غزة تحوّلت إلى أخطر مكان في العالم لممارسة الصحافة”، مشيرةً إلى أن معظم الضحايا “قُتلوا بعد توثيقهم لجرائم ضد المدنيين”.
(CPJ – تموز 2025 / RSF – حزيران 2025)
ورغم هول الأرقام، لم تبادر أي قناة عربية كبرى إلى تخصيص تحقيقٍ جادٍّ واحدٍ عن “اغتيال الصحافة في غزة”، وكأن مقتل أكثر من مئتي شاهدٍ على الحقيقة لا يستحق ساعة بثٍّ واحدة.
إنه صمتٌ لا يُفسَّر إلا بالتواطؤ، أو بالخوف من قول ما يعرفه الجميع: أن الصورة باتت تقتل صاحبها، لا لأنها كاذبة، بل لأنها صادقة أكثر مما ينبغي.
حين صارت الكاميرا هدفًا
في هذا السياق، لا يمكن تجاهل استشهاد الصحفي والمصور الفلسطيني صالح الجعفراوي، أحد أبرز الوجوه الإعلامية في غزة، والذي تحوّل خلال عامين إلى رمزٍ عالميٍّ للصحافة الميدانية الإنسانية.
وُلد الجعفراوي في 22 تشرين الثاني/نوفمبر 1998، واشتهر بتوثيق الحياة اليومية تحت الحصار، ونقل معاناة المدنيين بعدسته إلى العالم.
تجاوز عدد متابعيه ثلاثة ملايين على “إنستغرام”، وأصبح مصدرًا رئيسيًا للمعلومات الميدانية خلال حرب الإبادة على غزة.
أُستهدف الجعفراوي بعد إدراجه في ما سمّته إسرائيل “النشرة الحمراء” — وهي قائمة تصفية سرية تضم الصحفيين والنشطاء الذين يوثّقون جرائم الحرب.
وفي يوم الأحد، 12 تشرين الأول/أكتوبر 2025، اغتيل في حي الصبرة بمدينة غزة على يد عصابةٍ مسلحةٍ مدعومة من قوات الاحتلال الإسرائيلي.
كان اغتياله رسالةً واضحة: أن من يكشف الجريمة يصبح جزءًا من الهدف.
عندما فشل الإعلام الغربي في الاختبار الأخير
استشهاد الجعفراوي لم يكن حادثًا معزولًا، بل مرآةً عكست انهيار المنظومة الإعلامية الغربية.
فبينما كانت عدسته تُظهر طفلةً تبحث عن أمها تحت الركام، كانت الشاشات الغربية مشغولةً بتكرار عبارة “حق إسرائيل في الدفاع عن نفسها”، وكأن الدفاع يعني الإبادة.
لقد اختُبر الإعلام الغربي في غزة كما اختُبر قبله في فيتنام وسراييفو والعراق، لكنه هذه المرة سقط سقوطًا مريعًا:
سقط حين قرّر أن يصمت أمام الإبادة،
وحين استبدل الحقيقة بالبيانات العسكرية،
وحين تجاهل مقتل الصحفيين رغم أن الأمم المتحدة وCPJ وRSF وثّقت الأسماء والتواريخ والجرائم.
في نيسان/أبريل 2024، ذكّرت الأمم المتحدة الحكومات الغربية بأن “استهداف الإعلاميين في غزة يتم بشكل متعمد وبمنهجية تشكّل انتهاكًا صارخًا للقانون الدولي الإنساني”، لكن لم يتحرك أحد.
وفي تموز/يوليو من العام نفسه، نشرت الغارديان تحقيقًا يؤكد أن معظم الشبكات الغربية تبث بيانات المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي دون تحقق ميداني.
وفي خطابه أمام منظمة الاتحاد اليهودي الأمريكي في نيويورك في كانون الأول/ديسمبر 2024، دعا بنيامين نتنياهو علنًا إلى “خوض حرب السردية”، مشددًا على ضرورة السيطرة على منصات تيك توك ومنصة X التي “تشكّل جبهة أخطر من الصواريخ”، على حدّ تعبيره.
ذلك التصريح لم يكن زلة لسان، بل إعلانًا واضحًا أن إسرائيل تعتبر الفضاء الرقمي ساحة قتالٍ لا تقل أهمية عن ساحة المعركة الميدانية. حديث نتنياهو يظهر أن المعركة الإعلامية ليست عَرَضًا بل جزء من الاستراتيجية الإسرائيلية الرسمية وتُدار بوعيٍ وبتخطيط سياسي من أعلى المستويات الإسرائيلية.
خلاصة: من يملك الصورة يملك الذاكرة
في النهاية، لم تكن حرب غزة معركة سلاحٍ فحسب، بل كانت معركة على الذاكرة.
من يملك الصورة يملك الرواية، ومن يملك الرواية يرسم التاريخ القادم.
ولهذا كان الإعلام الموجَّه أخطر من القنابل، لأنه لا يقتل الجسد بل يشوه الحقيقة.
لكن الكاميرا التي حملها صالح الجعفراوي، وكل هاتفٍ في يد شابٍ أو شابةٍ من غزة يوثّق لحظةَ ألمٍ أو نجاة، صارت اليوم جدار الذاكرة الأخير في وجه المحو.
إنهم لا يدافعون عن الحقيقة فقط، بل عن حقّنا جميعًا في أن نرى — في زمنٍ تُدار فيه الإبادة بغطاءٍ إعلاميٍّ ناعم.
ولعل هذا هو المعنى الأعمق لكل ما يجري:
أن الحقيقة، مهما خُنقت في الأستوديوهات، تجد دائمًا طريقها إلى الضوء — من بين الركام، ومن خلف العدسة، ومن ذاكرة الشعوب التي لم تعد تصدق الشاشات الكبرى.
“حين تُقتل الحقيقة بالكاميرا، تبقى الصورة آخر صلاةٍ للعالم”؟



