امن و استراتيجيافي الواجهة

لروسيا أهداف جديدة في العملية العسكرية الخاصة

زياد الزبيدي

أولاً: السياق السياسي – من غزّة إلى كييف

ينطلق ألكسندر دوغين في مقاله الأخير بعنوان «لروسيا أهداف جديدة في العملية العسكرية الخاصة: لن يهبّ أحد لنجدتنا» (14 أكتوبر 2025) من نقطة تحوّل مزدوجة: إعلان دونالد ترامب بعد حرب غزّة نيّته «التركيز على حلّ الصراع الأوكراني»، وتزامن ذلك مع وصول صواريخ «توماهوك» الأميركية إلى أوروبا الشرقية.
هذا الإنتقال، برأي دوغين، ليس «إستكمالاً» للسياسة الأميركية السابقة، بل تحوّلاً نوعيّاً في البارادايم: من سياسة «الإقناع» إلى سياسة «الإكراه». أي إن واشنطن لم تعد تسعى إلى التفاوض مع موسكو على قاعدة توازن القوى، بل إلى إخضاعها بإستخدام أدوات مباشرة للتهديد العسكري.

دوغين يقرأ ذلك في ضوء فلسفته المعروفة عن «الحرب الكبرى»، حيث يتحوّل أي فعل غربي ضد روسيا إلى تجلٍّ ميتافيزيقي لصراع الحضارات، وليس مجرد نزاع جيوسياسي. لذلك، فإن نشر «التوماهوك» في أوكرانيا – أو تحت غطاءها – يعني في نظره الإنتقال من الصراع بالوكالة إلى العدوان المباشر.

ثانيًا: إنهيار «روح ألاسكا» وعودة المواجهة

يُشير دوغين بسخرية إلى ما يسميه المسؤولون الروس بـ«روح ألاسكا» أو «روح أنكوراج» — أي بقايا الأمل في تفاهم روسي–أميركي بعد اللقاء الدبلوماسي بين البلدين في تلك الولاية عام 2023.
لكنّ المقال يصف هذا الأمل بأنه وهمٌ يترنّح أمام واقعٍ جديد فرضه ترامب، الذي يتصرّف، حسب دوغين، كـ«زعيمٍ متهوّر ومصاب بجنون العظمة، مستعد لتدمير روسيا كي يثبت تفوّقه الشخصي».
ومن هذه الزاوية، يرى الفيلسوف الروسي أن الدبلوماسية لم تعد قادرة على ضبط التناقضات. فـ«اللعبة تحوّلت إلى بوكر سياسي» بين بوتين وترامب، حيث لا مكان بعد الآن للمجاملات الدبلوماسية أو الأقنعة الإستراتيجية.

ثالثًا: «البوكر النووي» — بين ديمتري مدفيديف ودوغين

يستشهد المقال بردّ نائب رئيس مجلس الأمن الروسي ديمتري مدفيديف، الذي إعتبر أن تزويد كييف بصواريخ «توماهوك» قد يُفسَّر كعملٍ حربي مباشر من الولايات المتحدة، لأن «التمييز بين الرؤوس النووية والتقليدية لتلك الصواريخ مستحيل أثناء الطيران».
دوغين لا يرى في تصريحات مدفيديف مجرد إنفعال سياسي، بل جزءاً من إستراتيجية الردع الرمزي: «مدفيديف يلعب دوره في البوكر. فالتصعيد اللفظي، مثله مثل التحركات العسكرية، ورقة من أوراق الضغط في اللعبة الكبرى».

بمعنى آخر، إنّ التلويح النووي ليس تهديداً بقدر ما هو إعلان وجود، وتذكير بأن روسيا ليست في موقع الدفاع فقط، بل تملك بدورها القدرة على قلب الطاولة.

رابعًا: «النجاح الموهوم» لترامب في الشرق الأوسط

يرى دوغين أن غرور ترامب تضاعف بعد حرب غزّة وعملياته ضد إيران، حيث أقنع نفسه بأنه «فرض السلام» عبر القصف.
لكن هذا «السلام بالقوة»، كما يسميه دوغين، ليس سوى مقدّمة لفوضى عالمية جديدة، لأن الولايات المتحدة تحاول إستنساخ السيناريو الإيراني مع روسيا، عبر فرض الإستسلام بوسائل الردع العسكري.
إنّ الخطر في رأيه لا يكمن فقط في السلوك الفردي لترامب، بل في تحلّل النظام الغربي نفسه: «شيوخ في خرفٍ عميق، ومنحرفون ومدمنون وأوليغارشيون مهووسون بالتكنولوجيا، وغربٌ تسيطر عليه جماعات سكتارية وفوضوية».
هذه العبارات ليست زلاتٍ لغوية، بل تلخيص لفكرة دوغين القديمة عن «الإنحطاط الأنثروبولوجي للغرب»، حيث لم تعد الحضارة الغربية تمثل عقلانية التنوير، بل إنحدرت إلى عبادة العدم والمادة.

خامسًا: حين تتحوّل أوكرانيا إلى «رمز وجودي»

الذروة في المقال تأتي عندما يعلن دوغين أنّ «روسيا لكي تكون روسيا من جديد، لا تحتاج نوفوروسيا فقط، بل أوكرانيا كلها».
بهذه العبارة ينتقل الخطاب من العمليات التكتيكية إلى الرهان الوجودي:

«نوفوروسيا» (الجنوب والشرق) كانت هدفاً جيوسياسياً محدوداً.

أمّا «أوكرانيا بأكملها» فهي هدف ميتافيزيقي–تاريخي، لأنها تمثل في مخيلة دوغين «قلب روسيا القديمة» ومصدر هويتها الأرثوذكسية–القيصرية.

إنها ليست مسألة حدود، بل سؤال: من نحن؟. فـ«من دون كييف لسنا نحن»، كما يقول دوغين نصّاً، في إستعارةٍ تجعل من المعركة على أوكرانيا معركةً من أجل «إستعادة الذات الروسية».

سادسًا: الردّ الدبلوماسي المضاد — إقتراح ديمتري سايمس

يُدخل المقال صوتًا ثالثًا هو الباحث الروسي–الأميركي ديمتري سايمس، الذي يقترح إستخدام العلاقة مع إيران كأداة ضغط مضادة:
إن رفضت واشنطن توقيع اتفاق عدم إعتداء مع طهران، فبإمكان موسكو – «دفاعًا عن السلام العالمي» – تزويد إيران بصواريخ قادرة على بلوغ الأراضي الأميركية.
هنا يتكامل الطرح الفلسفي مع المنطق الإستراتيجي:
إذا كان الغرب يرفع السقف بتسليح كييف، فإنّ روسيا تستطيع نقل المعركة إلى المسرح الأميركي نفسه عبر الحلفاء.

سابعًا: «لن يهبّ أحد لنجدتنا» – نهاية وهم التحالفات

تتكرّر في المقال جملة دوغين الشهيرة: «لن يهبّ أحد لنجدتنا»، لتعبّر عن جوهر الرؤية الأوراسية.
فروسيا، في تصوّره، مكتفية بذاتها حضاريًّا، وتاريخها لا يعرف حلفاء حقيقيين في لحظات المصير.
إنها، كما في ملحمة دوستويفسكي أو في أساطير الأرثوذكسية السياسية، أمّة أختيرت للعزلة والمقاومة، تماماً كما صمدت أمام نابوليون وهتلر.
بهذا المنطق، تصبح «العملية العسكرية الخاصة» ليست فقط دفاعًا عن دونباس، بل إعادة كتابة التاريخ الروسي الحديث، ومواجهة قدرها الكوني من جديد.

ثامنًا: قراءة تحليلية في فلسفة «رفع الرهانات»

إنّ الدعوة التي يطلقها دوغين إلى «رفع الرهانات» تعبّر عن نقلةٍ من الواقعية السياسية إلى القدرية التاريخية.
فهو يرى أن أي تراجع أو إنتظار يعني إنكسار الإرادة الروسية، بينما التوسّع إلى «كييف» يرمز إلى إستعادة الجوهر الإمبراطوري.
لكنّ هذه الرؤية، برغم قوتها الرمزية، تحمل مخاطرة مزدوجة:

  1. إنها تُحوّل الحرب إلى معركة هوية، لا إلى صراع مصالح، ما يجعل التسوية شبه مستحيلة.
  2. كما أنّها تُضفي على القرار السياسي بعداً لاهوتياً، يُصعّب إخضاعه للمنطق البراغماتي.

ومع ذلك، فإنّ دوغين لا يكتب كمحلّل عسكري بل كفيلسوفٍ يرى التاريخ الروسي كملحمةٍ مفتوحة، حيث يُختبر الإيمان لا عبر الحوار، بل عبر النار.

خاتمة: البوكر الأخير بين موسكو وواشنطن

في ختام مقاله، يُظهر دوغين أن روسيا اليوم أمام خيارين:

إمّا أن تبقى في لعبة البوكر الأميركية وتخسر تدريجياً مكانتها،

أو أن تفرض قواعد جديدة للّعبة، بتحديد أهداف أعلى لسياستها العسكرية والدبلوماسية.

وهكذا، فإنّ مقال دوغين ليس تحريضاً على الحرب بقدر ما هو صرخة فلسفية ضد «الإنحدار الروحي للغرب»، ودعوة لأن تكتشف روسيا في أزمتها الراهنة مجدها الميتافيزيقي من جديد.

المراجع :

  1. ألكسندر دوغين، «России нужны новые цели СВО: “Нам на помощь никто не придет”»، موقع «بلوكنوت»، 14 أكتوبر 2025.
  2. تصريحات ديمتري مدفيديف حول «توماهوك»، وكالة «RIA Novosti» للأنباء، 13 أكتوبر 2025.
  3. ديمتري سايمس، مقابلة مع قناة «روسيا 24»، 14 أكتوبر 2025.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى