المعركة الخفية
مجدي الشوملي
منذ أن تشكّلت دولة إسرائيل وهي تضع في اعتبارها العمل الحثيث على منع قيام دولة فلسطينية إلى جانبها بحسب قرارات الأمم المتحدة (المجحفة بحق الفلسطينيين). ولذلك فإن حرب العام 1948 لم يكون هدفها تثبيت حدود الدولة الجديدة وليس الدفاع عن نفسها بل احتلال أكبر مساحة ممكنة من الأراضي المخصصة لدولة فلسطين بحيث تقطع الصلات بين جزئيها: الضفة الغربية وغزة. وكانت عملية التهجير تستهدف توزيع الفلسطينيين على عدد من الأقطار لمنع وحدتهم وتواصلهم، فكان التهجير إلى الأردن ولبنان وسوريا ومصر (ولاحقا العراق) بمثابة تفتيت للشعب الفلسطيني لمنع تواصل أطراف هذا الشعب تمهيداً لإذابته في المجتمعات الجديدة. وقد فشلت هذه الخطة لأسباب عديدة ومنها متانة الانتماء الوطني وقوة الهوية الفلسطينية.
لا أبالغ بالقول بأن أحد أهداف اتفاق أوسلو كان فصل الداخل عن الخارج، وكادت هذه الخطة أن تنجح لولا الوعي الفلسطيني وحجم التطرف الإسرائيلي. وقد حرصت إسرائيل على عدم تنفيذ أحد بنود اتفاق أوسلو منذ اليوم الأول والذي ينص على وجود نفق يربط بين الضفة (ترقوميا الخليل) وغزة. وموقف إسرائيل من الدولة كان واضحا في اتفاقات أوسلو عندما أصرّت إسرائيل على شطب كلمة الوطنية من تسمية ”السلطة الوطنية الفلسطينية”.
الاستيطان في الضفة الغربية والذي بدأ عام 1967 كان يهدف إلى محاصرة المدن الفلسطينية تمهيدًا لعزلها عن شقيقاتها مما يقلص فرص إقامة الدولة الفلسطينية، وهذا يفسر عملية تقسيم أراضي الضفة الغربية إلى (ا و ب و ج) بأنه تم على أساس محاصرة الفلسطينيين داخل المدن، وتعقيد الحياة في مناطق باء ومنع البناء في مناطق جيم. وهذا التقسيم لم يبدأ في اتفاق أوسلو كما قد يعتقد البعض بل كان موجودا منذ العام 1967 ضمن خطط الاستيطان.
وفي العام 2005 انسحب الجيش الإسرائيلي من غزة، ومع أن أحد أسباب الانسحاب هو وجود مقاومة فلسطينية إلا أن السبب الأهم هو قطع التواصل نهائيا بين الضفة وغزة، وقد تم الانسحاب دون التنسيق مع السلطة الفلسطينية بقصد منح غزة فرصة الاستقلال عن الضفة، وقد تحدّث بذلك عدد كبير من السياسيين الإسرائيليين ولا يزالون، على اعتبار أن قطع هذا التواصل سوف يضعف الفلسطينيين ويقلّص من قدرتهم على بناء دولة.
وشجعت إسرائيل الانقسام في الساحة الفلسطينية، وهي اليوم تعارض أن تقوم السلطة باستلام إدارة قطاع غزة لنفس الأسباب السابقة.
واعتراف أمريكا بالقدس عاصمة لإسرائيل يهدف أيضا الى استكمال بناء المستوطنات من غرب القدس وحتى نهر الأردن ضمن ما سمي خطة E1 مما يفصل شمال الضفة عن جنوبها. ومؤخرا تم الشروع ببناء 22 مستوطنة جديدة تهدف إلى محاصرة المدن الفلسطينية وعزلها.
ممارسات إسرائيل منذ ما قبل قيام الدولة تشير إلى وجود خطط وسياسات تهدف الى منع قيام الدولة الفلسطينية، وهذه الخطط ليست سرية بل علنية ومنشورة ويتم تنفيذها وتعزيزها بتشريعات وبدعم أمريكي وصمت أوروبي.
وللأسف فإن الساحة الفلسطينية لا تضع أي خطط للمواجهة والتي تبدأ بتكريس الوحدة الوطنية. كما أنها لا ترتفع لمستوى التحوّلات العالمية الداعمة لفلسطين؛ وعزلة إسرائيل على مستوى العالم.
إن جميع إجراءات إسرائيل منذ ما قبل العام 1948 وحتى اليوم يمكن أن يتم الغاؤها فيما لو تم استغلال الظروف الدولية وحجم التضامن مع حقوق الشعب الفلسطيني والتي وصلت إلى أمريكا ومنابر الكونجرس، مع ما صاحب ذلك من حجم الأزمات التي يعاني منها الكيان الصهيوني



إرسال التعليق