زيارة نائب الرئيس الأمريكي إلى المنطقة العازلة
محمد ابراهيم بسيوني
زيارة نائب الرئيس الأمريكي إلى المنطقة العازلة التي بدأت إسرائيل بإنشائها على طول الخط الأصفر في غزة ليست خطوة عابرة كما يحاول البعض تصويرها، بل هي جزء من مشهد أكبر لإعادة رسم الجغرافيا والسياسة داخل القطاع بما يخدم مشروع “إسرائيل الكبرى” ورؤية واشنطن الجديدة للشرق الأوسط. فالمشهد الذي جرى عرضه على الوفد الأمريكي من مستثمرين وخبراء لم يكن يهدف إلى الإعمار بالمعنى الإنساني، وإنما إلى خلق نموذج اقتصادي وسياسي جديد تُدار فيه غزة بنظام إسرائيلي معدل، يفتح أبوابه فقط أمام من تصفهم الإدارة الأمريكية بـ“الراغبين في الاندماج”، أي من يقبلون بالشروط الإسرائيلية والأمريكية، بينما يُعزل من يتمسكون بالمقاومة أو الانتماء الوطني في مناطق مغلقة تعتمد بالكامل على المساعدات الإنسانية القادمة من مصر.
هذه الخطة تمثل في جوهرها مشروعًا لترويض غزة اقتصاديًا واجتماعيًا قبل أي حل سياسي، فبدلًا من فرض السيطرة العسكرية المباشرة، يتم العمل على خلق واقع جديد يجعل من المقاومة عبئًا داخليًا، ويحول حياة الناس إلى معادلة قسرية بين “الاندماج” أو “العزلة”. والمفارقة أن كل ذلك يجري في ظل صمت عربي مطبق، وكأن التقسيم الاقتصادي والتهجير المقنّع لا يعني أحدًا، رغم أنه يحمل في طياته بداية فصل جديد من إعادة هندسة المنطقة وفق المصالح الأمريكية والإسرائيلية. إن ما يحدث اليوم ليس إعادة إعمار، بل إعادة صياغة الوعي والهوية والسيادة، لتتحول غزة من رمز للصمود إلى نموذج للتطبيع الممنهج، في غياب مشروع عربي حقيقي قادر على مواجهة هذا المخطط الخطير.
د محمد ابراهيم بسيوني



إرسال التعليق