سيناء… وماذا لو كانت في حوزة اسرائيل حتي اليوم؟!
أحمد فاروق عباس
تمر هذه الأيام الذكري الخالدة لحرب أكتوبر، وبطبيعة التطورات في المنطقه في السنتين الاخيرتين فإن سيناء رجعت مرة أخري لتكون في قلب خطط اسرائيل لترتيب وضمان مستقبلها..
احتلت اسرائيل سيناء مرتين، مرة في حرب العدوان الثلاثي عام ١٩٥٦ مع بريطانيا وفرنسا واستمر الاحتلال الإسرائيلي لسيناء شهور قليلة قبل ان تجبر علي الانسحاب بسبب الضغط الامريكي عليها..
اما المرة الثانية فكانت في حرب ١٩٦٧، واستمر الاحتلال الإسرائيلي لسيناء هنا ١٥ سنة متصلة، فلم ينسحب أخر جندي اسرائيلي من سيناء إلا يوم ٢٥ أبريل ١٩٨٢…
والسؤال الذي يطرح نفسه… ماذا فعلت اسرائيل بسيناء في ال ١٥ سنة التي احتلتها فيها ؟!
كان أول ما فعلته اسرائيل في سيناء هو سياسة خلق واقع جديد، فقامت بسياسة استيطان نشيطة في سيناء، خاصة في العريش وشرم الشيخ…
وأقامت مساكن جديدة للاستيطان في شرم الشيخ في أبريل ١٩٧١، واعلنت ان هناك مستعمرة جديدة يجري بناءها علي طريق ايلات ــ شرم الشيخ…
وشجعت الحكومة الاسرائيلية الرأسماليين الاسرائيليين علي بناء مناطق وقري سياحية بمحاذاة طريق شرم الشيخ ايلات…
وفي ديسمبر ١٩٧٢ اعلنت الحكومة الاسرائيلية انشاء مركز اقليمي في منطقة شرم الشيخ، وأن شرم الشيخ ستشهد ” أول مشروع حضري يتمتع سكانه بتكييف هواء مركزي، وكذلك امدادات من المياه المثلجة تصل إلى كل شقة عبر انابيب “..
وكان البند الثاني في سياسة اسرائيل في سيناء المحتلة هو تهجير اهل سيناء…
فقد حاولت السلطات الاسرائيلية مرارا تفريغ المراكز السكانية الصغيرة في سيناء من قاطنيها، وقدرت صحيفة نيويورك تايمز في أبريل ١٩٧١ أن عدد الذين خرجوا ونزحوا من بيوتهم نتيجة لنسفها بحوالي ١٧ ألف شخص خلال عام ونصف فقط، من يونيو ١٩٦٧ إلي يناير ١٩٦٩ ..
ونشرت نيويورك تايمز ايضا تصريحا للكولونيل مناحم ابايون الحاكم العسكري الاسرائيلي للعريش تفيد بتشجيع الجيش الاسرائيلي لكل فرصة تؤدي الي ترك مواطني العريش لسيناء تماما..
وحتي بعد حرب اكتوبر لم ترتدع اسرائيل، فقد أعلن حاييم بارليف ــ صاحب خط بارليف المشهور ــ في ٣١ يوليو ١٩٧٤ وكان زيرا للصناعة والتجارة في حكومة اسحق رابين أن مدينة أوفيرا ــ وهو الإسم الاسرائيلي لشرم الشيخ ــ ستخضع لتطور صناعي كبير، وانه متفائل بمستقبل مزدهر للمستوطنات الاسرائيلية في شرم الشيخ..
وكان البند الثالث في سياسة اسرائيل تجاه سيناء هو تقسيم سيناء…
كانت مشروعات تقسيم سيناء معدة فيما لو جنحت مصر للصلح مع اسرائيل وطالبت باسترجاع سيناء، وهنا رأي العقل السياسي الإسرائيلي تقسيم سيناء، وارجاع جزء فقط منها لمصر، وفي تلك الفترة ظهرت مشروعات عديدة لتقسيم سيناء اشهرها مشروعين:
ــ مشروع ناداف سافران عام ١٩٦٩ وهو استاذ يهودي كان يعيش في امريكا، طرح مشروعا لتقسيم سيناء بين مصر واسرائيل ومبادلة للأراضي بحيث تأخذ مصر جزءا من صحراء النقب في مقابل التنازل عن اجزاء واسعة من سيناء..
ــ مشروع مايكل ريزمان، وهو استاذ للقانون في جامعة ييل الأمريكية، وقد ظهر مشروعه في كتاب له صدر عام ١٩٧٠ بعنوان ” فن الممكن.. الحلول الدبلوماسية البديلة في الشرق الاوسط ” وقد خصص بابا كاملا لعرض مشروعه بتسوية مشكلة سيناء..
ويقوم مشروع ريزمان بتأجير سيناء لمدة ٥٠ سنة لتكتل اقتصادي دولي يتم انشاءه لهذا الغرض، مكون مما أسماه ” اتحاد شركات احتكارية لتنمية سيناء ” تساهم في رؤوس اموالها شركات من الولايات المتحدة واوربا والاتحاد السوفيتي ومصر واسرائيل ودول الشرق الاوسط…
وفي مفاوضات السلام رفضت مصر رفضا تاما أي حديث اسرائيلي حول تقسيم سيناء بينها وبين مصر، وفرضت ارجاع سيناء كلها ــ ومساحة سيناء أكبر من مساحة اسرائيل ــ الي مصر…
والسؤال هنا…
ماذا لو كانت سيناء حتي اليوم في حوزة اسرائيل ؟! مثلها في ذلك مثل هضبة الجولان السورية… ما الذي يمنع اسرائيل من تهجير الفلسطينيين في غزة ــ أو حتي أهل فلسطين كلها – وليس أهل قطاع غزة فقط الي مصر ؟!
أن العالم كله يعرف أن هدف اسرائيل الحقيقي من حرب غزة الدائرة من عامين ليس حماس ــ فما حماس سوي الذريعة للوصول الي الهدف الاصلي ــ ولكن الهدف هو طرد الفلسطينيين في غزة الي سيناء المصرية، وقد أوقف رجوع سيناء الي حوزة مصر الخطط الاسرائيلية المعلنة لحل مشكلتها الديموغرافية ــ زياة عدد سكان فلسطين العرب عن اليهود ــ ومشكلتها الدينية ــ اعتبار اسرائيل دولة خالصة ونقية لليهود ــ من وضعها موضع التنفيذ….
اعرف ان كثيرين داخل مصر وخارجها لديهم ملاحظات كثيرة حول أنور السادات، وربما كان معهم الحق في بعض منها، ولكن لا يستطيع الإنسان المنصف ان يتغافل عن رجل أرجع لوطنه قطعة غالية من ترابه من عدو طامع، ولديه دعاوي دينية، وفي يده خطط جاهزة، وتستده اعتي القوي في عالمنا…
ربما أكون واحدا من الناس لدي اعتراضي علي الطريقة والاسلوب الذي سار به أنور السادات في طريقه للوصول إلى الصلح مع دولة كانت ماتزال عدوا لمصر، وخاصة زيارته لإسرائيل، فلم أكن اتمني ان يذهب الي هناك طالبا السلام، بل كان يمكن ان يصل إلى ما وصل اليه بلقاءه معهم في اي مكان أخر…
لكن في النهاية هذا ما حدث… ويظل ان أنور السادات هو من أخذ قرار الحرب في أكتوبر ١٩٧٣ وحرر جزءا غاليا من سيناء، واستكمل الباقي في مفاوضات الصلح بين عامي ١٩٧٧ ــ ١٩٧٩ وكان النتيجة شديدة الاهمية – بغض النظر عن الشكل- هو عودة جزء غال الي وطنه الأم ووقف توسع الدولة العبرية علي حساب العرب وارضهم ومستقبلهم…
وقد دفع الرجل نتيجة قراره من حياته ذاتها، وهو الآن عند ربه… تحية له وسلاما…



إرسال التعليق