ما بعد الصهيونية .. من يرث المشروع الصهيوني ؟؟

الإستعمار والدم والتاريخ : من سيرث الهيمنة الإقليمية بعد الصهيونية ؟…

مروان صباح

/ يُعتّبر تحليل ظاهرة تسريب المعلومات من داخل الأنظمة الكبرى إحدى القضايا التىّ تكشف عن متغيرات السلطة والتأثير في العالم المعاصر ، فقد مثّل الأفراد الذين قاموا بتسريب الأسرار في عدد من الدول الشمولية أدواتٍ لكشف الحقيقة ، حتى باتوا يُنظر إليهم ، سواء في أوساط المعارضة أو لدى الرأي العام ، بوصفهم أصحاب أدوار بطولية تستحق التقدير والتكريم (Andrew & Mitrokhin, 1999) ، وتُظهر التجارب التاريخية أنّ سقوط الدول الكبرى يفتح الباب أمام رفع السرية عن العديد من الملفات التىّ كانت تُدار خلف الكواليس ، ما يتيح فهماً أعمق لطبيعة السلطة وآليات عمل المؤسسات ، وقد شكّل تفكك الإتحاد السوفياتي مثالاً بارزًا على ذلك ، إذ مكّن الباحثين والمراقبين من الإطلاع على كمّ هائل من الوثائق والمعلومات التىّ كشفت حجم الممارسات الأمنية والرقابية في تلك المرحلة (Andrew & Mitrokhin, 1999) ، كانت وكالة الإستخبارات السوفياتية 🇨🇳 (KGB) تُعتبر الجهاز الأكثر نفوذاً وتأثيراً في حياة الفرد والمجتمع ، إذ احتكرت السيطرة الأمنية لدرجة أنها نشرت أجواءً من الخوف في جميع مستويات الدولة والمجتمع ، وعلى النقيض من ذلك ، أظهرت الإمبراطوريات الغربية ، وعلى رأسها الولايات المتحدة الأمريكية 🇺🇸، قدرة أكبر على توظيف أدوات السيطرة بشكل أكثر دقة عبر الإعلام والمؤسسات الأكاديمية ، بما يخدم مصالح النخب السياسية والاقتصادية ، ويُضعف في المقابل الوعي الجمعي للمجتمع (Chomsky, 1988).

من جهة أخرى ، أخفقت النخب الشيوعية في موسكو في استيعاب المؤشرات المبكرة على تآكل شرعيتها الأيديولوجية ، وهو ما تجلّى بوضوح في التجربة الكوبية 🇨🇺 مطلع ال80 من القرن ال20 ، ففي عام 1980 ، أصدر الزعيم الكوبي فيدل كاسترو تعليماته بفتح ميناء مارييل في العاصمة هافانا ، ودعا من يرغب في الهجرة إلى الولايات المتحدة 🇺🇸 للمغادرة عبر بحر الكاريبي ، وبالفعل ، خلال أيام قليلة فقط ، تحوّلت السواحل الكوبية إلى موجة نزوح جماعي قُدّر عدد المشاركين فيها بنحو 150 ألف مهاجراً ، في ما عُرف تاريخياً باسم “أزمة مارييل” (U.S. Department of State, 1980) ، غير أنّ هذه الأزمة كشفت هشاشة الفكريين الايديولوجين – السياسيين في كوبا والولايات المتحدة سواء بسواء ، فقد تعامل كاسترو مع المهاجرين بوصفهم “خونة” و“طفيليات”، معتبراً أنّ التخلص منهم يمثل خدمة للوطن (Castro, 1980) ، في المقابل ، فشلت إدارة الرئيس الأمريكي جيمي كارتر في التعامل الإنساني والإداري مع الأزمة ، إذ تُرك آلاف المهاجرين عالقين في البحر ، ونُقل الآلاف الآخرون إلى معسكرات الاحتجاز ، كان أبرزها سجن غوانتانامو سيء السمعة ، حيث لقي عدد منهم حتفهم بسبب الظروف القاسية (U.S. Congressional Records, 1981)…

تدحرجت كرةُ ثلجِ التضامن مع الإحتلال سريعاً ، كأنها فزعةٌ عربيةٌ تقليدية ، لكنها هذه المرة جاءت من الضفة الأخرى للعالم؛ من بيتٍ استعماريٍّ واحدٍ تماهت فيه السياسات والمصالح والأيديولوجيات ، وكأنّ التاريخ أراد أن يقول من جديد : إنّ الغرب ، رغم إختلاف مذاهبه وتاريخه الدموي الداخلي ، يتوحّد دائماً حين يتعلق الأمر بإدامة مشروعه الاستعماري ، فالذي جرى في غزة لم يكن حدثاً استثنائياً ، بل مشهداً متكرراً من ذاكرة الإستعمار القديم ؛ من كوبا 🇨🇺 إلى الجزائر ، 🇩🇿 ومن الكونغو 🇨🇬 🇨🇩 إلى فلسطين 🇵🇸 ، فإنّ الصهيونية ، بوصفها التجسيد الحديث للفكر الاستعماري ، أعادت إنتاج خطاب “تمدين الشعوب” ذاته ، ولكن بلغة “الدفاع عن النفس”، وقد بيّن إدوارد سعيد في كتابه مسألة فلسطين (1979) ، حيث كشف بأنّ المشروع الصهيوني ليس إلا استمراراً لمنطق السيطرة الغربية ، الذي يرى في الآخر مادةً يجب ترويضها أو إبادتها ، ولقد كشفت الحرب الأخيرة على غزة عن حقيقة هذا البيت الاستعماري المتماسك ، حين اصطفّت الحكومات الغربية وراء إسرائيل بلا تردّد ، أمام صمت اقليمي عالمي ، رغم الأصوات الأخلاقية التىّ خرجت في شوارع مدريد وباريس ولندن وبرلين وغيرهم تطالب بوقف المجازر وإدانة دولة الإحتلال ، هذا المشهد أعاد إلى الذاكرة ما فعله الفرنسيون 🇫🇷 في ال50 القرن الماضي ، حين طالب الشارعُ الجنرال ديغول بإنهاء الإحتلال في الجزائر ، وقد أعترف ديغول لاحقاً بأنّ الوجود العسكري هناك كلّف خزينة فرنسا ألف مليار فرنك ، ونقل الحرب إلى شوارعها (راجع : بنجامين ستورا ، تاريخ الحرب الجزائرية ، 1991) ، لكنّ إسرائيل 🇮🇱 اليوم تكرر المشهد ذاته ؛ جيشٌ غارقٌ في الوحل الغزّي ، ومجتمعٌ يعيش على وقع الصدمة منذ الـ7 من أكتوبر 2023 , حيث وعدت القيادة بإنهاء الحرب في أسبوعين ، فتحولت الأسابيع إلى عامين ، بينما المقاومة لا تزال تقاتل وحالها مرتاح ، وتشير تقارير غير رسمية إلى أنّ خسائر الجيش الإسرائيلي بلغت نحو 22 ألف قتيل وعشرات الآلاف الجرحى ، ومع كل ذلك، لم ينجح الإحتلال سوى في قتل المدنيين وتدمير البنية الإنسانية للقطاع بعد حصار دام عقدين .

في المقابل ، فإنّ الفلسطيني الذي فقد أبناءه لا يملك سوى ذاكرةٍ من الدم والصبر ، وثأرٍ ينامُ في القلب ولا يموت ، فكيف يُطلب من أمٍّ أن تنسى ، أو من أبٍ أن يغفر لآلةٍ حربيةٍ سحقت أحلام أطفاله ؟ ، إنّ هذه الأسئلة الأخلاقية تتجاوز السياسة لتصطدم بجدار الإنسانية نفسها ، وعلى الصعيد الداخلي ، تتصدّع إسرائيل سياسياً كما تتصدّع أخلاقياً ، فحزب الصهيونية الدينية بقيادة سموتريتش يعيش تراجعاً غير مسبوق في الاستطلاعات ، فيما تتآكل ثقة الشارع بحكومة نتنياهو التىّ وعدت بالنصر فصنعت العزلة ؛ هذا المشهد يذكّر بإنهيار الإتحاد السوفياتي حين وقف الحزب الشيوعي – رغم إمتلاكه 55 مليون عضو بين الحزب والشبيبة – عاجزاً أمام سقوط منظومته الفكرية (راجع: فرانسيس فوكوياما ، نهاية التاريخ والإنسان الأخير ، 1992) ، فالمشاريع الأيديولوجية ، مهما بدت قوية ، تسقط حين تفقد مبررها الأخلاقي ويسود الفساد .

اليوم ، تدفع إسرائيل ثمن سياستها بأكثر من الدم ؛ خسرت صورتها في الغرب ، وتتراجع مكانتها في الوعي العالمي ، وتجد نفسها أمام جدارٍ عربيٍّ وإسلاميٍّ صلبٍ يحمل ثأراً لكل طفلٍ سقط في غزة ، أمّا الغرب ، فقد بدأ وعيه بالتصدّع ؛ فالتظاهرات في شوارع أوروبا وأمريكا ليست مجرد ردّ فعلٍ إنساني ، بل تعبيرٌ عن بدايةِ تحوّلٍ في الإدراك الجمعي حيال أكذوبة “التفوق الأخلاقي الغربي” ، إنّ كرة الثلج التىّ تدحرجت يوماً نحو غزة ، قد تعود غداً لتصيب بيت الإستعمار نفسه ، فالتاريخ ، كما علّمنا ، لا يرحم من يتواطأ مع الجريمة ، ولا ينسى من يغضّ الطرف عن الدم …

لقد خاض محور المقاومة في كلٍّ من غزة ولبنان واليمن ما يمكن اعتباره حرباً عالمية بالوكالة ، فقد شنت إسرائيل حرب إبادة على الفلسطينيين نيابةً عن واشنطن وحلفائها ، في حين لم يجد محور المقاومة أي دعم دولي ، باستثناء جنوب أفريقيا التىّ رفعت قضيةً ضد أركان الكيان الإسرائيلي إلى المحكمة الجنائية الدولية ، ما أدى إلى صدور مذكرات إعتقال بحقهم لأول مرة بتهم إرتكاب جرائم ضد الإنسانية (المحكمة الجنائية الدولية، 2024) ، هذا التحول القانوني ساهم في إعادة تصوير الكيان في الوعي العالمي ، من ضحية للنازية إلى جلادٍ وحشي ، لا تقل فظاعته عن أسوأ جلادي التاريخ ، وإذا كان نظام هتلر قد إنتهى بعد الحرب العالمية الثانية ، فإن الواقع يشير إلى أن هناك من ورث هذا النظام الوحشي ، سواء على صعيد الإقتصاد الحر أو في معالجة القضايا السياسية (Hobsbawm, 1987).

لقد إلتزم النظام الرأسمالي بتطوير الصناعات لضمان إستمرار هيمنته على الشعوب وإدامة تخلفها ، وهو ما يظهر خطأ التحليل الاستراتيجي لـكارل ماركس حين أعتقد أن الثورة الصناعية الكبرى ستمكّن الدول المستعمَرة من الخروج من العتمة إلى النور (Marx, 1867). وعلى النقيض ، استغلت إسرائيل الحليفة للغرب هذه التطورات لتكريس التبعية والسيطرة ، وإذا نظرنا إلى القطاع الفلسطيني خلال العقود 7 الماضية ، نجد أن الوضع في غزة كان أفضل سابقاً مما هو عليه اليوم ، وهو نموذج مشابه للأسلوب الاستعماري الذي تتبعه الولايات المتحدة الأمريكية ، باعتبارها الوريث الأكبر للنظام الاشتراكي القومي “النازي ” في علاقاتها مع الدول المتخلفة ، فواشنطن ، على سبيل المثال ، تحرص على إبقاء معظم دول العالم الثالث في قائمة الدول المتخلفة ، باستثناء تايوان وكوريا الجنوبية واليابان ، لأسباب تتعلق بتحقيق أهدافها الاستراتيجية في مواجهة الصين (Friedman, 2005) …

يشهد العالم المعاصر حراك اقتصاديّ وسياسيّ معقدة ، حيث يظل الإغتراب الاجتماعيّ والاقتصاديّ قضية مركزية في المجتمعات الغربية ، خصوصاً فرنسا 🇫🇷 ، حيث تعكس التحولات النيوليبرالية التىّ شهدتها أوروبا منذ حكومة مارغريت تاتشر أزمة ثقة بين المواطن والدولة ، وتكشف عن هيمنة هياكل مالية وسياسية خارجية على الاقتصادات الوطنية ، وحيث تسعى هذه السطور إلى إستهداف آليات الهيمنة الأمريكية من خلال التحكم بالدولار والنظام المصرفي الدولي ، وعلاقته بالإغتراب الإجتماعي في الغرب ، مع ربطه بالإقتصاد العالمي والنظام السياسي الدولي ، فبعد الحرب العالمية الثانية ، سيطرت الولايات المتحدة على الذهب العالمي وأودعته في صندوق النقد الدولي ، وكان سعر الأوقية الذهبية انذاك ب35 دولاراً ، في حين إرتفع سعر الأونصة إلى نحو 4 آلاف دولار اليوم (Harvey, 2005) ، هذا التحكم جعل معظم الدول غير قادرة على التحرر من تبعية الدولار ، العملة العالمية التي تُهيمن عليها الولايات المتحدة عبر النظام المصرفي الدولي المرتبط بصندوق النقد والبنك الدوليين ، وبهذا الشكل ، أصبح التحكم المالي أداة استراتيجية للهيمنة الأمريكية على السياسات الإقتصادية العالمية (Friedman, 2006) ، لقد نجح الإستعمار الأمريكي في ربط الحداثة والإبتكار بالثروات المادية للآخرين ، مما جعل الدولار معياراً عالمياً للقيمة وأداة مركزية للتبادل الاقتصادي والمالي ، ورغم وجود محاولات لإيجاد بدائل مثل اليورو أو تحالف البريكس ، فإن إقتصاد السوق الحر والمؤسسات المالية الدولية المرتبطة به يضمنان إستمرار الهيمنة الأمريكية ، مدعومة بالقوة العسكرية والدبلوماسية والإنتاجية (Panitch & Gindin, 2012) ، وهذا السياق يوضح أن الهيمنة الأمريكية ليست مجرد قوة اقتصادية ، بل مشروع سياسي واستراتيجي شامل يربط الاقتصاد بالسلطة والنفوذ ، ويشير بيير بورديو احد فاعليين الأساسيين بالفكر الاجتماعي والثقافي ، إلى أن اغتراب المجتمع الغربي ينبع من شعور بالتمييز بين القوة الاقتصادية والسياسية الحقيقية والتمثيلات الإعلامية والسياسية التىّ تقدمها الدول الكبرى (Bourdieu, 1998) ، فالمجتمع الفرنسي ، على سبيل المثال ، يجد نفسه بين خيارين عسيرين : الإعتقاد بأن أوضاع الدول الغربية أفضل من حال الفلسطينيين ، أو الإعتقاد السائد بتميز إسرائيل ومكانتها لدى الولايات المتحدة ، وهو تصور يبرز أثر الهيمنة الأمريكية على الوعي الاجتماعي والسياسي .

يمكن إستنتاج أن الهيمنة الاقتصاديّة والسياسيّة الأمريكية مستمرة عبر التحكم بالدولار ، وربط التقدم بالثروات الخارجية ، وإعادة إنتاج التبعية الإقتصادية ، فهذا التحكم يشكل عاملاً رئيسياً في اغتراب المجتمعات الغربية ، ويكشف عن التناقضات بين السياسات الوطنية والهيمنة الإقتصادية العالمية ، بل إن فهم هذه الديناميات النقدية ضروري لإعادة تقييم السياسات الاقتصادية والاجتماعية ، وللبحث عن بدائل تؤدي إلى استقلالية أكبر للمجتمعات والدول، أو على الأقل الحد الأدنى من المنافسة…

إرسال التعليق