احدى أكثر العمليات جرأة في حرب الاستنزاف

العملية الجريئة ((ضرب رمانه وبالوظة)) .
كان للقوات الإسرائيلية على الساحل الشمالي لسيناء موقعان، أحدهما لتجمعات إدارية في منطقة رمانة، والثاني موقع صواريخ هوك في بالوظة، وتجمعات شؤون إدارية في شرقي بورسعيد بحوالي 40 كيلومتراً. وفي أوائل شهر أكتوبر1969
اقترح إعداد خطة لقصف تجمعات العدو في منطقتي رمانة وبالوظة
التي سبق أن هاجمتها مجموعة الرفاعي بالصواريخ أرض أرض
والمنطقتان تبعدان عن بورسعيد بنحو40 كيلو مترا, وتبعد كل منطقة منهما عن الأخري بنحو10 كيلو مترات. وتستخدم اسرائيل الموقعين كمخازن للذخيرة بالاضافة إلي تكديسات وتجمعات شئون إدارية.
والمنطقتان تبعدان عن الساحل بنحو5 كيلو مترات.
مثل هذا التفكير الهجومي, أتسم بالجسارة, وبالرغبة في تكبيد اسرائيل أكبر قدر من الخسارة, لا تلك المتمثلة أو الناتجة عن العملية الهجومية, بل وأيضا فيما سوف تسفر عنه من نتائج ستؤدي إلي تحمل الميزانية العسكرية الاسرائيلية المزيد من الأعباء.
فمثل هذه المنطقة, كانت تعد بعيدة عن متناول الأعمال العسكرية المصرية, وإذا كانت قوات الكوماندوز قد وصلت إليها, فإن حجم الخسائر يظل محدودا قياسا بالخسائر التي ستنجم عن عملية قصف بحري باستخدام المدمرات.
وكان وصول المدمرات المصرية إلي هذه المنطقة يعني زيادة الدوريات البحرية الاسرائيلية وعدد نقاط المراقبة, ومضاعفة قوة الحراسة برا وبحرا.
ولكن كانت هناك عقبات ومحاذير, فمثل هذه المناطق لايمكن قصفها في عملية نهارية, لأن ذلك يعني إمكانية كشفها, وسهولة التعامل معها سواء بواسطة الوحدات البحرية أوالقوات الجوية. ولم تكن القوات الجوية المصرية بقادرة علي توفير مظلة جوية لحماية القطع البحرية التي ستشارك في العملية.
وقد راعي فريق التخطيط مثل هذه الظروف, وتضمنت الخطة أن يتم القصف ليلا, مع الاحتفاظ بعاملي المفاجأة والمبادأة.
وكانت المفاجأة هي العنصر الرئيسي لنجاح الخطة, لذا تقرر مراعاة حصر المعلومات في أقل عدد ممكن من الأفراد وإخفاء أخبار العملية حتي عن المنفذين.
وتقرر أن يتم قصف المنطقة بواسطة المدمرتين الناصر ودمياط, علي أن تغادرا قاعدة الاسكندرية في ميعاد مناسب وفي إطار برامج التدريب الشهرية العادية, وأن تتجها غربا في البحر المتوسط قبل أن تعودا إلي اتجاه الشرق, للتوجه نحو منطقة الهدف بعد معرفة الخطة والتعليمات الخاصة بها.
ومن أجل التصديق علي خطة العملية سافر الفريق صادق رئيس الأركان وبصحبته اللواء التهامي رئيس هيئة عمليات القوات المسلحة إلي الاسكندرية, حفاظا علي السرية, وحرصا علي عنصر المفاجأة, وجاء يوم التنفيذ وهو نفس اليوم المحدد في خطة تدريب القتال الاسبوعية لاختيار المهمة النهائية للمدمرين, واستدعي قائد القوات البحرية الرائد هاني قاسم ضابط أمن القيادة, وأعطاه تعليمات العملية لكي يسلمها للعقيد جلال فهمي قائد لواء المدمرات قبل خروج المدمرتين للبحر, وكان نصها: من قائد القوات البحرية إلي العقيد جلال فهمي قائد لواء المدمرات. شعبان8 نفذ اليوم. بالتوفيق بإذن الله.
وكانت جملة شعبان8 هي الاسم الذي تم اختياره للعملية وخرجت المدمرتان, وأجرتا بعض التدريبات, قبل أن تتجها شرقا.
ولقد كان علي ظهر كل مدمرة خبير روسي, وقد اقترح محمود فتحي انزالهما إلا أن الفريق صادق رفض موضحا أن مثل هذه الخطوة قد تكشف لهما أو لغيرهما أن خلق خطة الابحار عملية جري التخطيط لها.
وباشر الكل عملهم كالمعتاد: اللواء صادق رئيس الأركان, اللواء طيار علي بغدادي قائد القوات الجوية, اللواء بحري محمود فهمي, والكل في انتظار التوقيتات التي تضمنتها الخطة, بعد أن تم اتخاذ كل الترتيبات لوضعها موضع التنفيذ.
وفي الساعة الثامنة مساء, اجتمع محمود فهي بقادة القوات البحرية, وأبلغهم بالخطة, ونشطت دورة العمل في مركز العمليات الدائم.
وفي تمام الساعة الحادية عشرة إلا عشر دقائق, بدأت سرايا المدفعية الساحلية في قاعدة بورسعيد تقصف النقطة الاسرائيلية الحصينة شرق بورفؤاد.
واستمر القصف لمدة10 دقائق وكان الهدف جذب أنظار العدو باتجاه هذه النقطة, وبعيدا عن منطقتي رمانة وبالوظة.
وفي الساعة الحادية عشرة, بدأت المدفعية الثقيلة بالمدمرتين من عيار130 مم ثمانية مدافع, أربعة في كل مدمرة ــ في قصف المنطقتين في حراسة عدد من لنشات الصواريخ وزوارق الطوربيد واستمر القصف لمدة20 دقيقة.
وسار كل شئ مثلما خططت القيادة, بل وعلي أحسن ما تمني قائد القوات البحرية.
وبدأت رحلة العودة إلي الاسكندرية, واتجهت المدمرتان غربا بعيدا عن خط السير العادي, لتجنب محاولات طائرات السلاح الجوي الاسرائيلي العثور عليهما وظهرت في السماء أول طائرة استطلاع اسرائيلية, كمقدمة لهجوم جوي علي المدمرتين وباقي قطع الحراسة البحرية. وبعد نحو ربع ساعة كانت الطائرات الاسرائيلية تحلق في سماء المنطقة, وتستخدم القنابل المضيئة لإنارتها, وبعد اكتشاف مدافع المدمرتين, بدأت معركة جديدة بين وسائل الدفاع الجوي بالمدمرتين المتمثلة في مدافع مضادة للطائرات خاصة من عيار57 مم. وسقطت القنابل الاسرائيلية علي مسافة أمتار من المدمرة الناصر التي كانت سرعتها أقل من سرعة المدمرة دمياط.
وقد أصابت شظية من شظايا القنابل التي أصابت القطعة البحرية أحد الجنود أفراد طاقم موقع مضاد للطائرات, فخلع قميصه ومزقه وربط به كتفه, واستمر في الضرب, وعندما هدأ القصف المعادي, نزل إلي العيادة, حيث استخرج الطبيب الشظية, وبعدها صمم علي العودة إلي موقعه للاستمرار في القتال.
في هذه الأثناء, كان رئيس الأركان يدخر مفاجأة لإنقاذ المدمرتين من مواصلة الهجوم الجوي المعادي, حيث أقلعت مقاتلة ليلية من طراز ميج21
بقيادة النقيب طيار سمير عزيز ميخائيل وحلقت علي ارتفاع عال فوق المنطقة, فتصور الاسرائيليون أن هناك كمينا جويا ينتظرهم, استكمالا لعملية القصف البحري, فانحسر الهجوم قليلا لتبين حقيقة الأمر.
في تلك اللحظات أمر اللواء صادق بإضاءة مدينة بورسعيد إضاءة كاملة. وابتلع العدو الطعم, وتوقع أن تتجه المدمرتان إلي بورسعيد, فركز نشاطه الجوي في هذه المنطقة, وهذا بالتحديد ما خطط له رئيس الأركان.
وفي الساعة الرابعة صباحا, وصل بلاغ من نقطة ملاحظة عند الطابية بمنطقة رشيد يفيد مرور قطعتين بحريتين معاديتين في اتجاه الاسكندرية.
وطلب محمد صادق التأكد, من قطعة واحدة أم قطعتين, وجاء تأكيد البلاغ عن قطعتين فحمد الله, ولكنه لم يتصل برئيس الجمهورية إلا بعد التأكد تماما أنهما القطعتان المعنيتان.
وفي الساعة السادسة من صباح اليوم التالي, لمح اللواء بحري محمود فتحي المدمرتين من شرفة مكتبه المطل علي البحر بمنطقة رأس التين, فسجد لله شكرا.
أما الحرائق التي اشتعلت في منطقتي رمانة وبالوظة من جراء القصف, فقد استمرت لأكثر من30 ساعة

إرسال التعليق