تتفيه الإنسان والثقافة والصحافة والإعلام

نظام التفاهة (5) والأخيرة تتفيه الإنسان والثقافة والصحافة والإعلام

عبدالله عطوي الطوالبة
كاتب وباحث

أوجد نظام التفاهة أُناسًا تافهين، يضئ ألان دونو على بضعة أنواع منهم، نختار اثنين منها. النوع الأول، يسميه دونو “التافه المتعصب”. ويصفه بالقول إنه شخص محتال يتقن التحايل، يستيقظ من نومه وهو يتساءل عن الحيلة الأنسب لنيل الحظوة لدى سلطة ما عن طريق تبنيه لرؤاها ومواقفها. كما أنه دائم التفكير بكيفية إزالة أي منافس قد يقف في طريقه، أو يعترضه. إنه خبير في المكائد، وجاهز دائمًا لأن يصبح جزءًا من أي اصطفاف تستدعيه مصالحه الرخيصة.
النوع الثاني، كما يحدده دونو، “التافه رغمًا عنه”. أول المؤشرات الدالة عليه، أن على عاتقه أفواهًا جائعة يجب اطعامها ورهنًا يجب أن يدفعه. يعمل تحت الضغط، وينفذ بعض ما يُطلب إليه مع الشعور بالعار. يدرك تمام الإدراك ابتذال الشر الذي يمثله، ويعي أنه شر مبتذل.
على صعيد متصل، يحذرنا ألان دونو من عواقب تحويل الثقافة، بمختلف تجلياتها ووسائلها، إلى أداة لتوطيد أركان نظام التفاهة. في الفن، تتجلى التفاهة بأشكال صادمة وفَجَّة. يُفرض على الفنانين العمل بما يناسب أهداف السوق أكثر من الإلتزام برسالة الفن المتواضع عليها، منذ زمن بعيد وشروط الإبداع المعروفة في هذا المجال. قُل أسخف السخافات وتشدق بأسخف الخرافات، ولا تأبه فإن نظام التفاهة يضمن لك الدعم والإسناد، وقد تحالفك الشهرة فجأة وتُفتح أمامك أبواب الحظ!
الممولون للأعمال الفنية يرون أنفسهم مبدعيها الحقيقيين، من منطلق أنهم هم من جعلها ممكنة. الفنانون ينتجون سِلَعًا ثقافية، في ظل تلاشي معايير جودة الفن، والتركيز على القابلية للتسويق والعائد المالي. المهم، التبعية لما يسميه ألان دونو “مناهج الأعمال التجارية”. الفنان الذي لا يتدرب في مجال ريادة الأعمال، لا ينبغي السماح له بأن يقرب السجلات المالية، أو حتى أخذ فكرة عن محتوياتها.
الفن يُدرس ضمن فلسفة الجمال، وله معاييره الجمالية. لكنه في نظام التفاهة تحول إلى أشكال من الجنون والفهلوة وعروض الأزياء والاستعراض.
أما الصحافة، فأولويتها في نظام التفاهة ليس المهنية والموضوعية، بل مصالح مُلَّاكها وتوجهاتهم المادية والسياسية. تعيد صياغة الأخبار وتُبَسِّطُها كي تبدو مناسبة للأغلبية من قرائها، وتلجأ إلى لعبة العناوين المثيرة للإنفعالات. هنا، يستحضر دونو ما كان يروى عن الكيفية التي تناولت بها الصحافة الفرنسية أمرًا يخص نابليون. فعندما هرب هذا الأخير من منفاه في جزيرة ألبا الإيطالية، تناولت الصحف الفرنسية الحدث تحت عنوان “الوحش يهرب من ألبا”. وما إن بدأ نابليون يقترب من فرنسا تغير العنوان فأصبح “نابليون يهرب إلى فرنسا”. وعندما دخل فرنسا، صار العنوان “الإمبراطور يدخل البلاد”.
ولعل أهم ما يقول دونو بخصوص الصحافة في نظام التفاهة “أن أكثر الناس يقينًا عادة أكثرهم جهلًا، فهم على ثقة كاملة بصحة الأخبار المنشورة في الصحف”.
أما التلفزيون، فقد أصبح في نظام التفاهة يعطي الأولوية لجمال مذيعيه ومذيعاته، حيث صار بإمكان أية جميلة بلهاء أو وسيم فارغ أن يفرضا نفسيهما على المشاهدين من خلال المنصات المتكثرة وأغلبها غير منتج.
وفي السياسة يجد نظام التفاهة مساحة خصبة لازدهاره، متكئًا على الديمقراطية وبحجة الحرية. الديمقراطية ليست خالية من العيوب، على ما يرى دونو، منها طغيان الأغلبية على الأقلية مع أن الدساتير ما وُضِعت إلا لحفظ حقوق الأقلية قبل الأغلبية. الأقلية هي المحتاجة إلى ضمانات سياسية تنص عليها الدساتير، في حين أن الأغلبية تكتُّل وتفاهم لا يُخشى عليه من إجحاف. لكن نتائج العملية الديمقراطية يجب أن تُحترم، أيًّا ما كانت مخرجات الانتخابات، لضمان تداول السلطة بسلاسة كما في أوروبا.
ويُذَكِّر دونو قراءه بوصول هتلر وحزبه النازي إلى السلطة في عملية ديمقراطية. ويُلفت أيضًا إلى ما لاحظه المؤرخ الهولندي يوهان هويزنجا بخصوص سمات الثقافة الجماهيرية، ومنها سمات الصبيانية وعقلية المراهقة، كالعاطفة القوية والتسلية المبتذلة والميل للأحداث المثيرة والشعارات المؤثرة والاستعراضات الشعبية والانفعالات العاطفية وغيرها من مبالغات. ويرى الديماغوجية مثالًا على ذلك، بما تستتبع من تهييج للعواطف الجمعية(طائفية، ورأي عام شعبي، وعصبيات قَبَلِيَّة، وتعصب قومي عدواني، وأخويات طبقية، وتكتلات فئوية). ويرى دونو في سياق نقده للديمقراطية والأغلبية والأقلية أيضًا، أن الاتجاهات الشعبية ليست رشيدة بالضرورة لأنها تعبر عن رأي الغالبية. لذا، فقبل ان ينجذب المرء لأي توجه شعبي لا بد ان يعاينه بمعايير محددة. فهل هو منطق، أو علم؟ مصلحة، أم حدس؟ غيبيات أم قضايا وأشياء حاضرة فاعلة عيانًا بيانًا؟
في الإطار ذاته، يرى دونو أن المفكرين الحقيقيين لا انتماءات حزبية لهم. لماذا؟ لأن الأحزاب برأيه، عادةً ما تراعي توجهات الرأي العام في مواقفها بغية تحقيق ما يسمية “ترضيات شعبية وضماناً لعمليات انتخابية”، وهذا ما يصعب على المفكر الحر قبوله. وهناك أحزاب تستأثر بعملية صنع القرار فيها، مجموعة صغيرة بعض أفرادها جاء عن طريق صناديق الاقتراع وليس كلهم.
وينهي ألان دونو كتابه بالدعوة إلى نظام جديد، بديل لنظام التفاهة، يُخلق بجهد جماعي. ويُعول على دور النخب المتعلمة في النهوض بهذه المهمة، رُغم تشرذمها. لكنها مع ذلك، قادرة على فعل شئ في مواجهة التخريب والتدمير اللذين يتعرض لهما كوكبنا على كل صعيد وفي كل مجال من نظام التفاهة.

إرسال التعليق