ضائعٌ بين أقرانه الجـــزء الرّابع

ضائعٌ بين أقرانه الجـــزء الرّابع
(1)

*
م. فوزي
*

في سنة 1985 كانت الدنيا بخير وعلى خير، لكن قد يكون مجرّد إحساس أو انطباع شخصي لشاب صغير ومغرور؛ لأنه من ناحية فاقد للوعي بخطورة المسئولية، المهنية والاجتماعية:

  • مهنيّة: لحصوله عليها بأقل جهد وتكلفة، وهي بالنسبة إليه ولبعض المغرورين الطّائشين أمثاله، مجرّد مهنة قد يُحسد عليها.
  • اجتماعية: بولوجه إلى ”قفص الزوجية“، والذي هو بمثابة بداية طقس من ”طقوس العبور“، إلى عالم مغاير متغيّر، قد يُحسد عليه كثيرا من الشّباب و الأقران الذين يبحثون عن حياة مستقرّة لكن ظروفهم الماديّة و الاجتماعية لا تسمح بذلك.
    تلقّيتُ مقررة التعيين، وكنتُ على دراية مسبقة بالبلدية التي تقرّر فيها تعييني بصفتي ”ملحق إداري“.. كنتُ قد انتقيتها وبعناية قبل ذلك واخترتها بمحض إرادتي؛ كانت عبارة عن قرية صغيرة نائيّة، هادئة ومعزولة. لكنّها ظلّت تحتلُّ مكانة مرموقة، في ذاكرتي، ومن خلال زيارتي لصديق كان يقطنها. لقد شدّ انتباهي تلك المناظر الجميلة وأنا أتجوّل بين أشجار ”السرو“ و”العرعر“ بالجبل الذي يحدّها من الجنوب، ووادي ”ملاّڨ“ الموسمي الذي تعبره السّكة الحديدية المعلّقة فوق الجسر الممدّد؛ وهناك سمعتُ بقصّة سقوط الشيخ الذي فرّ من القطار كي لا يدهسه فمات على الفور.’
    والأهم من كل ذلك، التاريخ والمرويات الشعبية التي مانفكّت مصدر إلهام بالنسبة للأصول، وكذلك الأجيال النّاشئة من بعد ذلك. هذا التّاريخ الضارب بجذوره في أعماق ثورة التحرير المجيدة، باعتبارها منطقة عبور بين الشرق والغرب، ومحاطة بآلاف الألغام والأسلاك الشائكة المكهربة، المعروفة بخطّي ”شال“ و”موريس“.. قد ظلّت خاضعة للمراقبة المستمرة من طرف الاحتلال إبّان ثورة التحرير.
    إلى وقت غير بعيد، ظلّ المكان الهادئ الجميل منطقة معزولة تعاني وسكّانها من الفقر والتهميش. ويجسّد ذلك حالة العوائل المزرية التي تقطن أكواخ الطين والمباني الهشّة، باعتبارها الملجأ الوحيد لها وللأجيال من بعدها، قبل أن يتم هدمها. وقد ظلّت هذه الأكواخ تشكّل السّواد الأعظم من جملة السكنات والمباني الموجودة، باستثناء بعض المساكن النّموذجية المحترمة وبعض الاستديوهات التّابعة للشّركة الوطنيّة للسّكك الحديديّة(SNCFA).
    يتبع…/…

إرسال التعليق