أزمة عالمية تهدد ملياري شخص بسبب نقص المياه الصالحة للشرب وفق تقرير أممي بمناسبة الأسبوع العالمي للمياه 2025
سرود محمود شاكر
باحث في مجال حقوق الإنسان ومدرب معتمد دولي
أصدرت منظمة الصحة العالمية (WHO) ومنظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسيف) تقريرًا أمميًا صادمًا كشف أن أكثر من 2.1 مليار شخص حول العالم يفتقرون إلى المياه الصالحة للشرب المدارة بأمان، بينما يعاني 3.4 مليار شخص من نقص خدمات الصرف الصحي الآمن، و1.7 مليار شخص من غياب خدمات النظافة الأساسية. هذا التقرير، الذي صدر بمناسبة الأسبوع العالمي للمياه 2025، يعكس حجم التحديات التي تواجه العالم في تحقيق الهدف السادس من أهداف التنمية المستدامة الذي يسعى لضمان توافر المياه وخدمات الصرف الصحي للجميع بحلول عام 2030.
نظرة عامة على التقرير
أشار التقرير إلى أن 2.1 مليار شخص، أي ما يقرب من ثلث سكان العالم، لا يحصلون على مياه شرب آمنة، بما في ذلك 106 ملايين شخص يعتمدون على مياه سطحية غير معالجة مثل البحيرات والأنهار. كما أن 3.4 مليار شخص يفتقرون إلى خدمات الصرف الصحي المدارة بأمان، و611 مليون شخص يعيشون بدون أي مرافق نظافة أساسية في منازلهم. هذه الأرقام تكشف عن تفاوت كبير في الوصول إلى المياه والصرف الصحي، حيث تتركز المشكلة بشكل رئيسي في البلدان الأقل نموا، التي تعاني من ضعف البنية التحتية وسوء إدارة الموارد المائية.
يُنظم الأسبوع العالمي للمياه من قبل معهد ستوكهولم الدولي للمياه منذ عام 1991، وهو يمثل منصة عالمية لمناقشة قضايا المياه. في نسخته لعام 2025، يركز الحدث على العلاقة بين المياه وتغير المناخ، مشددا على أن تحسين إدارة الموارد المائية يمكن أن يسهم في تحقيق أهداف المناخ وتعزيز المرونة ضد الكوارث الطبيعية.
تحليل الوضع الحالي
- أزمة المياه العالمية وتغير المناخ
يؤكد التقرير أن تغير المناخ يفاقم من أزمة المياه العالمية. فالاحتباس الحراري يؤثر على دورة المياه من خلال زيادة تواتر الجفاف والفيضانات، مما يهدد إمدادات المياه العذبة. على سبيل المثال، يعاني حوالي 10% من سكان العالم من ضغوط مائية عالية أو حرجة، بينما شهد عام 2022 ندرة مائية حادة أثرت على نصف سكان العالم لجزء من السنة.
في المنطقة العربية، التي تُعد من أكثر المناطق ندرة في المياه، يفتقر حوالي 50 مليون شخص إلى مياه الشرب الأساسية، بينما يعيش 390 مليون شخص – أي 90% من سكان المنطقة – في بلدان تعاني من ندرة مائية مزمنة. هذا الوضع يزيد من التحديات أمام تحقيق الأمن المائي، خاصة في ظل الضغوط المتزايدة الناتجة عن النمو السكاني والتغيرات المناخية. - تأثيرات صحية واجتماعية واقتصادية
يُظهر التقرير أن نقص المياه الصالحة للشرب وخدمات الصرف الصحي يؤدي إلى عواقب صحية وخيمة. فعلى سبيل المثال، يموت سنويًا ما لا يقل عن 1.4 مليون شخص، معظمهم أطفال، بسبب أمراض مرتبطة بالمياه غير المأمونة، مثل الإسهال والكوليرا. كما أن نصف مرافق الرعاية الصحية حول العالم تفتقر إلى المياه والصابون أو المعقمات الكحولية، مما يزيد من انتشار الأمراض المعدية.من الناحية الاجتماعية والاقتصادية، يؤدي نقص المياه إلى تفاقم الفقر، خاصة بين المجتمعات المهمشة. فالنساء والفتيات، على وجه الخصوص، يتحملن عبء جمع المياه من مصادر بعيدة، مما يحد من فرصهن التعليمية والاقتصادية. كما أن غياب مرافق الصرف الصحي الآمنة يهدد كرامتهن وسلامتهن. - التقدم والتحديات
على الرغم من التقدم المحرز منذ عام 2015 في تحسين الوصول إلى المياه والصرف الصحي، إلا أن التقرير يحذر من أن هذا التقدم غير كاف. ففي الوقت الحالي، يحتاج العالم إلى مضاعفة الجهود أربع مرات على الأقل لتحقيق أهداف التنمية المستدامة بحلول 2030. البلدان الأقل نموًا تواجه تحديات مضاعفة بسبب ضعف البنية التحتية، نقص التمويل، والصراعات التي تعيق الاستثمار في إدارة الموارد المائية.
.4 دور الجبال في أزمة المياه
يسلط التقرير الضوء على أهمية الجبال كمصدر رئيسي للمياه العذبة، حيث توفر الثلوج والأنهار الجليدية مياها لمليارات الأشخاص. ومع ذلك، يهدد تغير المناخ هذه الموارد من خلال ذوبان الأنهار الجليدية وتغير أنماط هطول الأمطار، مما يزيد من عدم الاستقرار في تدفقات المياه. يدعو التقرير إلى تعزيز الرصد الهيدرولوجي في المناطق الجبلية وتطوير استراتيجيات للتكيف مع هذه التغيرات.
الاتفاقيات الدولية ودور الأمم المتحدة
تُعد الأمم المتحدة رائدة في مواجهة أزمة المياه العالمية من خلال سلسلة من المبادرات والمؤتمرات. فعلى سبيل المثال، أقرت الجمعية العامة للأمم المتحدة حق الإنسان في الحصول على مياه شرب آمنة وبأسعار معقولة (50-100 لتر يوميًا للفرد، بتكلفة لا تتجاوز 3% من دخل الأسرة، وبمسافة لا تزيد عن 1000 متر من المنزل). كما اعتمد مؤتمر الأمم المتحدة للمياه 2023 خطة عمل مائية تضم التزامات طوعية للدول لتحقيق أهداف التنمية المستدامة.
تشمل الاتفاقيات الدولية البارزة الأخرى:
- اتفاق باريس (2015): يركز على التكيف مع تغير المناخ، بما في ذلك إدارة الموارد المائية.
- إطار سنداي للحد من مخاطر الكوارث (2015-2030): يهدف إلى تقليل المخاطر المرتبطة بالمياه مثل الفيضانات والجفاف.
العقد الدولي للعمل “المياه من أجل التنمية المستدامة” (2018-2028): يسعى لتسريع الجهود لتوفير المياه والصرف الصحي للجميع.
حلول ومقترحات التقرير
يقترح التقرير عدة حلول لمعالجة الأزمة، مع التركيز على التعاون الدولي والاستثمار في البنية التحتية ،ومن أبرز المقترحات:
- تعزيز الحوكمة والتمويل: وضع استراتيجيات تمويل واضحة لتحسين البنية التحتية للمياه والصرف الصحي، مع التركيز على الأولويات الوطنية والمحلية.
- الاستثمار في القوى العاملة: بناء قوة عاملة متنوعة ومدربة في قطاع المياه، مع تعزيز المؤسسات القادرة على تقديم خدمات مستدامة.
- تحسين جمع البيانات: إنشاء أنظمة مراقبة وطنية لجمع بيانات دقيقة حول الوصول إلى المياه والصرف الصحي.
- تشجيع الابتكار: دعم الحلول التكنولوجية والتعاون مع القطاع الخاص لتطوير أنظمة إدارة مياه فعالة.
- حماية النظم البيئية: التركيز على حماية المصادر المائية، مثل الأنهار الجليدية والجبال التي تُعد “أبراج المياه” للعالم، لضمان استدامة الموارد المائية.
خاتمة
يكشف التقرير الأممي الصادر بمناسبة الأسبوع العالمي للمياه 2025 عن أزمة مياه عالمية ملحة تتطلب تعاونا دوليا عاجلاً. إن تحقيق هدف توفير المياه الصالحة للشرب والصرف الصحي للجميع بحلول 2030 يتطلب مضاعفة الجهود، خاصة في البلدان الأقل نموا. من خلال الاستثمار في البنية التحتية، تعزيز الحوكمة، وحماية الموارد المائية، يمكن للمجتمع الدولي تحويل هذه الأزمة إلى فرصة لتحقيق التنمية المستدامة والسلام. إن المياه ليست مجرد مورد، بل هي حق إنساني أساسي وأساس للرخاء والاستقرار العالمي.



إرسال التعليق