7 أكتوبر وبشائر غزة

7 أكتوبر وبشائر غزة

فِي ذلك اليَومِ،كَانَ هُناكَ رِجالٌ لَا كَالرجالِ، أَيقَنوا أَنَّ السَّاعة قَد دَنَت، وَأَنَّ المَوعِدَ مَعَ المَجد قَد حانَ، تَوضَّؤوا بِالعَزمِ، وَتَدَثَّروا بِالإِيمَانِ، وَتَزَوَّدوا مِنَ القُرآنِ وَالرُّكوعِ وَالسُّجودِ، قَلوبُهُم تَنبِضُ بالدُّعاءِ عِندَ الفَجرِ، وَالعُيونُ فِي سُكونِها تَحمِلُ عَواصِفَ العزمِ وَالثَّباتِ؛ بَاعوا النَّفسَ رَخيصَةً لِرِضا اللهِ، وَاشتَراها المَليكُ بجنةٍ الخُلد، تَجَهَّزوا لِيَومِ الفُرقانِ، يَومٍ يَعلَمُ فِيهِ العالَمُ أَنَّ رِجالَ غَزةَ نُورٌ فِي لَيلِ الأُمَّةِ، وَسَيفٌ لِدِينِ اللهِ إِذا غَفَلَتِ الجُموعُ عَن وَاجبها؛ سَاروا وَمَعَهُم صَوتُ الأَذانِ، وَرَائحَةُ التُّرابِ الَّذي قَدَّسَتْهُ الدِّماءُ، وَفَوقَ أَكتافِهِم وَصِيَّةُ الأنبيَاء لٰا تَبرحوا حتَّى تْبلغُوا، كَانَ السّابِعُ مِن أُكتوبَرَ يَوماً خُطَّ فِي الكَونِ بِدِماءِ الأَبطالِ، وَسَتَبقَى ذِكرَاهُ تَشهَدُ أَنَّهُم أَحفادُ المُثنى والبَراء.

فما أعظم غزة…رأينا كيف رفع الله بها أقواما ووضع بها آخرين، وكيف رفع ذكر المجاهدين والمرابطين وأخزى المنبطحين والمخذلين، رأينا كيف غيّرت غزة شعوب العالم وجعلتها تنصر فلسطين…ولا بد من التذكير بما فعلته حماس بحيث يستحيل الرجوع إلى ما قبل 7 أكتوبر، فقد فعلت شيئا ما كان يتصوره صهيوني: دخلت عليهم معسكراتهم وبيوتهم فقتلت منهم وأخذت الباقي أسرى، أصابتهم في الصميم حين ضربت فيهم أكثر نقطة حساسية وهي إرادة البقاء، لم يعودوا آمنين رغم التطبيع الذي أذعنت له الأنظمة الوظيفية ورفضته الشعوب العربية، الآن يشهدون الهجرة العكسية إلى أمريكا وأروبا، خاصة أصحاب الأموال والكفاءات الكبيرة كالطب والعلوم الدقيقة، في الجانب الاقتصادي يشهد الكيان الصهيوني إغلاق الشركات ثم هناك كلفة الحرب البشرية التي أدت إلى بروز ظاهرة رفض التجنيد بقوة، وهذا ما جعل المحتل الصهيوني يتساءل لماذا يبقى بين المخاطر وهو يملك جنسية أخرى توفر الأمن في الغرب؟…فماذا لو وجدت حماس من يساعدها ولو بالمدد القليل؟

ويستطيع كل متابع أن يلاحظ كيف أدخلت حماس الرعب في الكيان الصهيوني كله، فاليهود يرتجفون من ذكر اسم حماس، ويُرعون من أسماء قادة حماس، ويكرهون تفكير حماس، ويحقدون على سيرة حماس، وهم مندهشون من تخطيط حماس ومذهولون من قدرات حماس التي لم تتكسر تحت ضربات أحدث وأعنف الصواريخ الأمريكية طيلة سنتيْن كاملتيْن.

ولنا أن نسأل: ماذا حقق العدو، وماذا حققت المقاومة؟ أما الكيان فهو لم يحرر أسراه ولم يقض على حماس، أما المقاومة فقد تجاوزت بفضل الله كل الظروف العصيبة التي تحركت وسطها منذ 7 أكتوبر من حرب الإبادة و الحصار، وتواطؤ الأنظمة العربية مع العدو، وفتاوى شيوخ الضلال، وانحياز الإعلام الذي يدور في فلك محور الشر العربي، في هذا السياق كشف الطوفان عن حقيقة مرة عندنا في الجزائر بمناسبة العدوان الصهيوني على أسطول الصمود هي هذا الشرخ الكبير في جسم الشعب بين تيارين يستحيل أن يلتقيا هما التيار الإسلامي الوطني والتيار الاستئصالي الذي انضمت إليه جحافل الوهابية في تجريم الشرفاء وكيل الاتهامات الباطلة لهم وتحريف نضالهم من أجل غزة حتى فاقت دعاية هذا التيار الدعاية الصهيونية نفسها، بل اصطفوا علانية مع العدو ضد المجاهدين حتى انطبقت عليهم جميع الآيات التي نزلت في المنافقين، وتكلموا بنفس الذرائع التي تذرع بها المنافقون، وإنه لمن انطماس البصيرة أن يرى مسلم أن مقاومة الظلم هي التي تسبب الخراب وليس الظلم نفسه! لكن لا تنتظر من الشعوب المقهورة التي تربت على الخوف و القمع و المذلة أن تنتفض نصرة لغزة و لأسطول الصمود و هي التي لم تتحرك لتغيير واقعها المؤلم، وحدها الشعوب الحرة من تتظاهر لنصرة الحق و العدالة ورفع الغبن، ويفهم كل إنسان سوي أنه عندما يقتحم لص بيت جارك فيقتل بعض أطفاله ويعتقل بعضهم ويشرد آخرين، فينهض هذا الجار – وهو مثخن بالجراح – ليدافع عن داره و ماله وعرضه بما يستطيع يصطف معه كل حرّ، فلا تكن حمارا بليدا تتساءل هل انتصر جارك أم خسر، ولا تكن دنيئا سافلا معجبا بمهارة اللص في تسوّر الجدران !إن عجزتَ عن نصرته فكفّ لسانك عن خذلانه، فالصمت أكرمُ من تبرير الجريمة، وإن تكلّمت فتحدّث عن فظاعة المعتدي وشهامة المظلوم وإبائه وهو يصون كرامته بكل بسالة، وإن كنت تبحث عن مكان في هذا الصراع فابحث أولا عن كرامتك المفقودة ورجولتك المنقوصة إن بقي لك شيء من حياء أو مروءة، ولا بد من الإقرار هنا أن الطوفان كشف للعيان ديانة كانت خفية هي الصهيو-وهابية… ومن أعظم إنجازات الطوفان أنه جعل الصهاينة منبوذين في العالم كله، وجعل اليهودي – لأول مرة منذ قيام دولة الكيان الغاصب – يخجل أن يقول أنا يهودي، فماذا تضير الطوفانَ تصرفاتُ السفهاء من العرب؟ وها هو نظام بني سعود يتبرع لفقراء إفريقيا بمليون نسخة من القرآن ويتبرع لأغنياء أمريكا ب500 مليار دولار، وأهل غزة يشكون إلى ربهم ظلم العباد.

عبد العزيز كحيل

إرسال التعليق

اخبار قد تهمك