صراع أجيال.. أم صراع أقدار؟

صراع أجيال.. أم صراع أقدار؟
—-
*
م. فوزي
لم أعد أعرف من أين أبدأ ولا أين أنتهي، ولا حتّى ماذا أقول؟
هذا الوحش الذي بداخلي لا يريد أن يهدأ قليلا ويتركني. لقد عرف آخرون كيف يتعاملون معه ويروّضوه، أما أنا فلم اهتدِ بعد إلى الوسيلة. ربما يكون هذا الغول الذي بداخلي قد استغل الوحدة التي أنا فيها، لينفرد بي. تمر الأيّام تترى وتمضي السنون، وهو يكبر بداخلي، ويزداد تغوّلا.
أحيانا أقول: ليتني لم أدخل إلى المدرسة، ولم أتعلّم، سيما بعدما تبيّن لي وأن سعادة الإنسان ليست مقرونة بالعلم ولا بالتعلّم، بل بالقناعة والرضا والأيمان؛ لم ينل آباؤنا ولا أجدادنا فرصتهم في التعليم لأن فرنسا منعتهم، ومع ذلك عاشوا سعداء.
فتحنا أعيننا على القناعة والرضا، بعدما غادرت فرنسا أرض الجزائر وتركتنا أحرارا. لم نعانِ مثل آبائنا وأجدادنا، كل ذلك كان من الماضي التعيس. وأمّا اليوم ونحن في عصر الحريّات ”المتلوّنة“؛ المطالب بلا حدود. ليس بالإمكان إقناع أبناء هذا الجيل؛ الذي تربى في كنف الحريّة و فتح عيونه على الوفرة والرفاه لا يربطه شيء بالحياة المريضة من تلك الظروف التي عاشها الآباء والأجداد.
العالم أصبح قرية صغيرة، بيوته كأنّها من زجاج. لم يعد يخفى شيء؛ كل الأجهزة التي بين أيدينا مزوّدة بوسائل تجسّس. ولأنّها أضحت جزءا من حياتنا، والغريب العجيب أننا نعلم كل العلم بذلك، لكنّنا لسنا قادرين على التخفّي أو التملّص.
ليس كل أبناء هذا الجيل على قدر واحد من العيش الكريم وحياة الرّفاه، الأمور تختلف باختلاف البيئة والمكان. أبناء في الأرياف والمداشر والقرى وآخرون في المدن الكبرى. هناك فروق وفوارق حتى بين أبناء البلدة والمدينة الواحدة. من الأبناء المحظوظين من فتح عينيه فوجد نفسه في بيئة راقية وحياة وردية. ومنهم من لم يجد مكانا آمنا يأوي إليه: غرباء في بلدتهم وبلدهم.
هناك من يختزل الأمر في كلمة ”مكتوب“، بمعنى قدر الله وسنّته في الحياة. بينما هناك من لم يستطع تقبّل الواقع الذي هو فيه، رافض، ساخط طول الوقت. وهناك أيضا من يلقي باللاّئمة على الدولة، ومن يتّهم الأصول. صارت لغة متداولة بين أبناء الجيل الواحد.
لقد أمسى أبناء البلد الواحد منقسمين على أنفسهم، لا يجمع بينهما سوى ربما وثائق الهويّة. ظروف الحياة سبب هذا الفصام: غادرت فرنسا أرض الجزائر ولم تكن هناك هوّة بين أبناء الشعب الواحد. هناك من يتهم الجزائر بأنّها صارت مملكة، ويردّد الآية: (إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً ۖ وَكَذَٰلِكَ يَفْعَلُونَ).



