بوعلام بسايح وفيلم الشيخ بوعمامة.
هنا علينا أن نقر، أنه لولا الوزير بوعلام بسايح، لما أنتجت مؤسسة الإنتاج السمعي البصري الفيلم السابق الذكر، فخلال فترة حكم الرئيس بومدين (1965-1978)، ركزت مصالح الإنتاج السمعي البصري كل مجهوداتها، على انتاج أفلاما حول ثورة التحرير، ثم وسعت نشاطها ليشمل الأفلام الفكاهية والاجتماعية، مستفيدة من خبرة الرعيل الأول من المنتجين والممثلين الجزائريين المخضرمين، إلا ان هذه المصالح لم تتمكن من إنتاج أي فيلم حول كفاح الشعب الجزائري قبل ثورة التحرير، لأسباب كثيرة جدا، منها المنافسة الشديدة التي كانت بين التيارات داخل السلطة الحاكمة، مما تسبب في تعطيل الكثير من المشاريع، منها مشروع انتاج فلم عن مسيرة الأمير عبد القادر، الذي لم يرى النور حتى تاريخ الناس هذا.
بعد وفاة الرئيس بومدين، واعتلاء الرئيس الشاذلي لسدة الحكم، بدأت أوضاع السينما الجزائرية تتغير، فإنتاج الأفلام المخلدة لحرب التحرير، أخذ يتراجع مقارنة بالأفلام الاجتماعية والفكاهية، لكن بقي تاريخ الكفاح المسلح لفترة ما قبل الثورة مهملا.
في 15 جويلية 1980، أجرى الرئيس الشاذلي بن جديد، أول تعديل حكومي له منذ توليع السلطة في فبراير عام 1979، فحل بوعلام بسايح، محل عبد الحميد مهري، على رأس وزارة الثقافة والاعلام، ليعطي دفعة جديدة لقطاع الإنتاج السمعي البصري، فكان أول ما قام به أن عرض على الرئيس الشاذلي فكرة، إنتاج فيلم تاريخي يخلد كفاح الشعب الجزائري لما قبل ثورة التحرير، وبعد مدة من التمحيص والأخذ ورد، اقترح بوعلام بسايح على الرئيس، انتاج فيلم يخلد كفاح مناطق السهوب وشمال الصحراء، ضد المستعمر الفرنسي، ليكون الشيخ بوعمامة الشخصية التاريخية التي ستطل على الشعب الجزائري من خلال ملحمة كبرى، وفيلم تاريخي كبير، خصوصا أن كفاح او ثورة الشيخ بوعمامة امتدت من 19881 إلى 1903، أي استمرت ثورته لمدة 22 سنة، لتكون أطول من ثورة الأمير عبد القادر التي دامت 15 سنة (1832 إلى 1847).
بصفته وزيرا للثقافة والاعلام، وبدعم مباشر من الرئيس الشاذلي، الذي استحسن كثيرا الفكرة، تولى بوعلام بسايح مهمة كتابة سيناريو الفيلم بنفسه، وأشرك معه المخرج التلمساني الكبير بن عمر بختي، الذي سيتولى لاحقا مهمة اخراج الفيلم، كما شكل خلية تعمل تحت إدارته المباشرة، كلفها بتدقيق القضايا التاريخية، المرتبطة بملحمة الشيخ بوعمامة، كما استند في عمله لشهادات الكثير من كبار سكان منطقة ولاد سيدي الشيخ، الذين تربطهم صلة قرابة بالشيخ بوعمامة، أو الذين نقل لهم أباءهم، ملاحم تلك الصفحة الخالدة من كفاح الشعب الجزائري، ليعطي للفيلم بعده التاريخي الحقيقي.
دامت مدة كتابة السيناريو فقط حوالي سنتان من 1980 إلى 1982، بما فيها عملية التدقيق التاريخية، ولضمان نجاح الفيلم، ثم الاتفاق بين الوزير والمخرج، على التصوير في نفس المنطقة التي جرت فيها أحداث الفيلم، أي منطقة سعيدة، والبيض، وصولا لواحة مغرار، مما زاد ذلك في تطابق الفيلم مع الوقائع، لأن سكان تلك المنطقة كانوا حتى عام 1983، لا يزالون يعيشون بنفس الطريقة، ويلبسون نفس الأزياء التي كانت سائدة أيام ثورة الشيخ بوعمامة.
انطلق التصوير عام 1983 ليستمر حتى نهاية عام 1984، بمشاركة ممثلين جزائريين وفرنسيين، كما أعانت وزارة الدفاع هذا الإنتاج التاريخي، بفرقة من خيالة الحرس الجمهوري، الذين شاركوا في تصوير معركة مولاق، كما أعانت الإنتاج بتوفير وسائل النقل، الألبسة، والمدافع التي استعملت خلال تصوير نفس المعركة (معركة مولاق).
خلال فترة تصوير الفيلم، غادر بوعلام بسايح وزارة الاعلام لتولي وزارة البريد المواصلات السلكية واللاسلكية، لكنه ككاتب للسيناريو بقي يتابع اخراج الفيلم عن كتب، حتى إتمام جميع مراحل التصوير والتركيب، لتذاع تلك الملحة عام 1985.
لقي فيلم ملحمة الشيخ بوعمامة، رواجا واسعا جدا داخل الجزائر على وجه الخصوص، كما لقي إشادة نقدية واسعة، وعرض في جميع قاعات السينما عبر جميع ربوع الوطن، ليكون جوهرة حقيقية خلدة تاريخ كفاح الشعب الجزائري ضد المستعمر الفرنسي، قبل ثورة التحرير الكبرى.
رحم الله الوزير بوعلام بسايح، ورحم الله صديقي الغالي عبد الكريم بسايح (الأخ الأصغر لسي بعلام ووالد صديقي الافتراضي عبد الرحمن بسايح).
في الصورة الثانية، عائلة بسايح في الوسط الوالد عبد الرحمن و إلى جانبه ابنه المجاهد والوزير بوعلام، في أقصى اليسار بنظارات صديقي الغالي المرحوم عبد الكريم بسايح.



إرسال التعليق