من الحياة قراءة الرسائل بالمقلوب
حشاني زغيدي
من الحياة قراءة الرسائل بالمقلوب
الحياة تسير على قاعدة “خالف تُعرف”. إن سلكت درب الجميع، وغمرتك موجة العموم، غُبتَ في الزحام ولم يلتفت إليك أحد. لذا، ترى فريقاً من الناس ينحى عن القاعدة العامة، يسير عكس التيار، ويقدم ما تعتبره الغالبية شذوذاً، محاولاً بذلك أن يسرق الأبصار ويستحوذ على الاهتمام. فيظهر “المميز” بعلامة شاذة، وكأن التميز مقترنٌ بالخروج على المألوف. وهؤلاء في الحقيقة كُثُر حولنا، لكلٍ مسعاه وهدفه.
ولا تستقيم لعبة الحياة هذه – في نظر البعض – إلا إذا حُفرت المتاريس، ولُغّمت الأرض بالأشواك، وحُبكت المؤامرات. فهذا ديدن المتآمر وطبيعة المُتلاعب.
انفجار الطنجرة:
عندما يصبح الانغلاق والانسداد سمة الغالبيْن،لا يروق لأصحاب هذه الطبائع استقرارُ الأوضاع، ولا رسمُ مخارج للانعتاق. فاستنشاقُ هواء الحرية الصافي، وارتشافُ ماء الحق الزلال، هو بمثابة عبث في عبثٍ بالنسبة لهم. بل إنهم يحولون الفضاءات الواسعة إلى زنازين آسنة، يختنق فيها كل نداء للتحرر.
كباش متناطحة:
وإذا لم يكن في الساحة”كبش أقرع” نطّاح، عدواني الهوى، قادر على أن يردي المنافس بضربة قاضية، فقدت المعركةُ في أعينهم نكهتها ومغزاها. فهدفهم الحقيقي هو إضحاك “العراب” الذي يدير اللعبة من خلف الكواليس، وتلك هي هوايتهم المفضلة.
فوضى خلاقة أم تدمير ممنهج؟
الشخص الغريم،ذو الفكر الشاذ، لا نتظر منه أن يقرأ رسائلك على وجهها الصحيح. فهو ينتقي من كلماتك المقاطعَ المجتزأة أو المبهمة، عمداً، ليزرع بذور الشك وينشر رمال التضليل. لكن ما يغيب عن أصحاب هذه الطبائع الفاسدة أن الحقائق لا تُدفن إلى الأبد، وكما قيل: “الحقيقة تظل حيةً، ولن تموت”.
إن كل ما تقدم ليس من سمات الأقوياء الحقيقيين، بل هو دليل على حياة فسد طعمها، وشذت لطائفها، وفسدت أذواقها. فكل أحوالها تُفسر بالمقلوب، وتُقرأ نتائجها على نسق “الطباق” و”المقابلة” في علم البلاغة، حيث يتجلى المعنى من خلال ضده، وتظهر الحقيقة عندما نعكس الصورة.
الأستاذ حشاني زغيدي



إرسال التعليق