لماذا تتكرر الأخطاء التاريخية رغم كثرة الدروس؟

لماذا تتكرر الأخطاء التاريخية رغم كثرة الدروس؟
……….
الحقيقة أن تكرار الأخطاء التاريخية ليس عجزًا في المعرفة ولا نقصًا في التراكم البشري، بل هو نتيجة مباشرة لثلاث قوى متجذرة في طبيعة الإنسان والمجتمع. أولها أن المصالح اللحظية أقوى دائمًا من الذاكرة البعيدة؛ فالحاكم أو النخبة حين يقفون أمام قرار يضمن لهم مكاسب عاجلة لا يردعهم ما دوّنته كتب التاريخ عن انهيار من سبقهم. ثانيها أن التاريخ غالبًا يُقرأ قراءة انتقائية، تُستخدم حوادثه كسلاح سياسي لتبرير ما هو قائم، لا لاجتناب الأخطاء، فيغدو التاريخ أداة تزوير بدل أن يكون أداة وعي. ثالثها أن الجماعات البشرية تتوارث أوهام الاستثناء؛ كل أمة تظن أنها تختلف عن غيرها وأن ما أسقط الرومان أو العباسيين لن يُسقطها، ثم تسقط بالسبب نفسه.
ابن خلدون قدّم الأساس النظري لذلك حين وصف الدورة الحضارية: العصبية تنشئ الدولة، ثم يأتي الترف فيفسد الأخلاق، ثم يبدأ الضعف حتى السقوط. ليست هذه دورة قدرية بالمعنى الغيبي، بل قانون اجتماعي قائم على التجربة المتكررة، وما دامت طبيعة البشر لم تتغير فإن الأخطاء نفسها ستتكرر. أرنولد توينبي، المؤرخ البريطاني، ذهب إلى الفكرة ذاتها حين قال إن الحضارات لا تموت بالقتل وإنما بالانتحار، أي أن الخطأ يُعاد بإرادة أهل الحضارة أنفسهم.
إذن فالتاريخ يعيد نفسه لأن الإنسان لم يتغير؛ غرائز السلطة والجشع تتغلب على العقل والذاكرة، والعبرة لا تتحول إلى نظام يُلزِم الناس. لذلك قال هيغل إن “العبرة الوحيدة من التاريخ هي أن الناس لا يتعلمون منه”، وهي عبارة تلخص المأساة البشرية.
……….

إرسال التعليق