هذه اخر رسالة أرسلتها الشهيدة حسيبة بن بوعلي الى والديها قبل وافتها ب 23 يوم ….

هذه اخر رسالة أرسلتها الشهيدة حسيبة بن بوعلي الى والديها قبل وافتها ب 23 يوم ….
والديَّ العزيزين
تلقيتُ بعض أخباركم بصورة مقتضبة من والدة الأخ “سي عبد الرزاق”. يبدو أنكم بحال حسن. ذلك ما أرجوه من كل قلبي. لقد مضى نحو تسعة أشهر لم نتواصل خلالها. وقد سبّب لي ذلك قلقا رهيبا. ذلك أنني كنتُ أعلم أنكم منزعجون بسببي، وأن الشرطة لا تكاد تغادر البيت، وكان مستحيلا عليّ الكتابة لكم، أو إرسال أي شيء إليكم. كم أرغب في لقائكم من جديد. لقد أضنيتكم بصورة رهيبة. لا يكاد يمضي يوم إلا وأنا أفكر فيكم. أحلم بكم كل ليلة تقريبا. لقد مرت بنا أوقات عصيبة جدا، وحتى الآن لا تجري الأمور بصورة حسنة، ولكن ذلك لا يؤثر في شيء، فنحن كلنا عزيمة، وثمة إخوة يستشهدون كل يوم ليقودوا الوطن إلى الحرية. سمعت بأنكم غيرتم المسكن وقد استغربت لذلك، ولكن ذلك في النهاية ممكن جدا، وإن الفضول ليدفعني لمعرفة مكان إقامتكم الحالي، وكيف هو بيتكم الجديد. ثمة مع ذلك شيء يزعجني. لم يعد بوسعي تصور عيشكم كما كنت أفعل سابقا. فأنا على الدوام أحدث نفسي قائلة: “لابدّ أنهم الآن حول مائدة الطعام” ثم أرى كل واحد في مكانه. لالّة وطاطا زهية معكم طبعا، إذ هما لا تملكان مكانا آخر لتذهبا إليه، بما أن عمَّيَ كليهما يعيشان خارج الجزائر. بالمناسبة، هل تملكون أية أخبار عنهما؟ أهما يكتبان لكم؟ ما أصعب الشوق إلى الأهل حين نكون بعيدين عنهم. تعلمون أنني مطلوبة كثيرا من الشرطة هنا في مدينة الجزائر فيستحيل عليّ إذن فعل أي شيء. ولذلك فقد قررت – بل هو واجبي – الذهاب إلى جبهة القتال حيث أعلم أنني أفيد كممرضة أو حتى – وهو ما أرجوه من كل قلبي – أن أقاتل والسلاح في يدي. صحيح أن الطريق سيكون وعرا للوصول إلى جبهة قتال، ولكنني آمل بعون الله بلوغ ذلك سالمة معافاة. لا تقلقوا على الأخص بشأني، ينبغي التفكير في الصغار الذين عليهم العودة قريبا إلى المدرسة، وأرجو أن يكونوا مجتهدين. لا تتصورون كم أفتقدهم، فأنا لم أرهم منذ سنة، لابدّ أنهم كبروا، وخاصة صغيري محمد، أما يزال مشاغبا كعادته؟ أهو يتحدث عني أحيانا؟ أم تُراهم نسوني؟ وحارسة المبنى، أما تزال ثرثارة؟ أما ستّي فقد لا أتعرف عليها الآن، فقد أصبحت شابة حقا. أرغب في الحصول على صورهم وصوركم أيضا. سأشعر بذلك بأنني أحمل معي في قلبي أسرتي كلها. أودّ رؤيتكم قبل الرحيل، لا أدري إن كنتُ أستطيع، ولكن اعلموا أنني سأبذل وسعي، إذ حين أكون في الجبهة فلن تبلغكم أخباري إلا نادرا. ولكن ربما كان “الفرج قريبا” (بالعربية)، ونكون إن شاء الله (كذا) جميعنا مجتمعين، فإن أخذنا الموت التقينا عند ربنا. إن مُتُّ فلا تبكوني، فسأموت سعيدة، أؤكد لكم ذلك. المهم ألاّ مجال لذلك، ولكن من يدري، فذلك يحدث بسرعة، وخاصة في مثل الحياة التي أحيى. حسنا، احرصوا على منحي عنوانا موثوقا يمكنني الكتابة فيه إليكم، فذلك ضروري جدا، أما أنتم فأجيبوني مع الشخص الذي يحمل إليكم هذه الرسالة. وأخيرا والديَّ العزيزين، أرجو أن تكونوا قد استلمتم الرسائل التي أرسلتها إلى طاطا سكينة. سأبذل كل وسعي لأراكم قبل أن أرحل، ولكنني لا أدري إن كان ينبغي التعويل كثيرا على ذلك. ختاما احرصوا على أن ترسلوا لي الصور التي طلبتها. أقبّلكم جميعا بكل حرارة. وخاصة لالّة وطاطا اللتين تفكران بالتأكيد في حفيدتهما، أما أنتما والديَّ الحبيبين، فليس ثمة كلمات تعبّر عن حبي لكما.
ألف قبلة
ابنتكم التي تحبكم
حسيبة “



