التواصل الاجتماعي كأداة استخباراتية… والوعي المفقود

بشار مرشد
كاتب وباحث

على مدار عقود طويلة، كانت وكالات الاستخبارات تضطر إلى إنفاق مبالغ طائلة، وتوظيف شبكات واسعة من العملاء السريين، وتحمّل خسائر بشرية جسيمة من أجل الحصول على معلومة واحدة عن شخص أو مجموعة.

كانت عمليات التجنيد، والمراقبة الميدانية، والتنصت التقليدي تتطلب جهودًا معقدة، محفوفة بالمخاطر، وقد تستغرق شهورًا وربما سنوات قبل أن تؤتي ثمارها.

مع بروز وسائل التواصل الاجتماعي، انقلبت معادلة الاستخبارات رأسًا على عقب. فبعدما كانت المعلومة تتطلب جهدًا استخباريًا مضنيًا، باتت اليوم متاحة بسهولة، وغالبًا دون تكلفة تُذكر.

لقد تحولت منصات مثل فيسبوك، وتويتر، وإنستغرام وغيرها إلى قواعد بيانات ضخمة عن الأفراد والمؤسسات، يقدّمها المستخدمون بأنفسهم وبمحض إرادتهم. منشوراتهم، وصورهم، وإعجاباتهم، وتعليقاتهم، وحتى تفاعلاتهم البسيطة، كلها تشكّل مادة غنية للتحليل، بحيث لم تعد الأجهزة الاستخبارية مضطرة إلى الدفع أو المخاطرة الميدانية للحصول عليها، بل تحصل عليها بشكل مجاني و”متطوع” من قبل أصحابها.

قراءة الميول والهويات والتوجهات السياسية عبر التفاعلات:

لم تعد التدوينات أو الصور مجرد محتوى عابر؛ فهي بمثابة أدلة متسلسلة تكشف ميول الأشخاص وهوياتهم وتوجهاتهم السياسية.

التعليقات، إعادة النشر، الإعجابات، الوسوم التي يشاركها المستخدم، القوائم التي يتبعها، وحتى توقيت ونمط التفاعل، كلها إشارات يمكن تجميعها وبناؤها لتشكيل صورة دقيقة عن الشخص.

تحليلات الشبكات، وتصنيف المواضيع بواسطة الذكاء الاصطناعي، وتحليل اللهجات والعبارات المتكررة، تسمح بتحديد الانتماءات الأيديولوجية، القرب من جماعات معيّنة، أو حتى الاحتماليات السلوكية.

التبرعات الطوعية للمعلومة — صور، وفيديوهات، ومواقع تُحدِّث القاعدة الاستخبارية:

يقوم المستخدمون بأنفسهم “بالتبرع” بالمعلومات” التي كانت الاستخبارات تُكلف مئات الآلاف أو ملايين الدولارات والجهود البشرية لاستخراجها.

صور الرحلات، وفيديوهات البث المباشر، وحالات الاستوري، وتوثيق الأماكن عبر الجي-تاغ، ونشر جداول الرحلات أو مواعيد اللقاءات، وحتى مشاركة الخرائط أو استمارات الحضور — كل ذلك يقدِّم تحديثًا لحظيًا لمسارات الأشخاص ومواقعهم وعلاقاتهم.

ما كان يتطلب سابقًا مراقبة ميدانية طويلة، وتجنيد مصادر محلية، أو تحليل سجلات الاتصال والخلويّة، أصبح متاحًا بلمسة زر وبمعلومات صريحة أو ضمنية من أصحابها.

أمثلة توضيحية:

زيارة صفحة شخصية على منصة تواصل اجتماعي لم تعد مجرد تصفح سطحي؛ فهي غالبًا ما تكفي لبناء ملف معلوماتي مفصّل عن صاحبها يتجاوز ما قد يعرفه أقرب الناس.

من روتين الحياة إلى مواقع العمل والعلاقات والميول السياسية، تنكشف تفاصيل كثيرة في كثير من الأحيان دون قصدٍ من صاحبها.

الأهم: المعلومات المتناثرة عبر حسابات متعددة تلتقي لتملأ فراغات قد يجهلها حتى محيطه المقرّب، فتصبح الصفحة — ببساطة — مرآة تُظهر ليس فقط ما يريد المرء إظهاره، بل ما ينسى أو لا يدرك أنه كشفه.

وهناك أحداث واقعية في العالم تؤكد كيف يمكن استغلال ما ينشره الأفراد على وسائل التواصل الاجتماعي في بناء ملفات استخباراتية دقيقة، سواء لأغراض سياسية أو أمنية أو اجتماعية.

التحديات والمخاطر الأخلاقية:

رغم سهولة الوصول إلى المعلومات وتوفير الجهد المادي والبشري، لا يخلو هذا التحول الرقمي من تحديات ومخاطر كبيرة.

أولها الانتهاك الصريح للخصوصية، حيث تصبح بيانات المستخدمين، سواء قصدوا ذلك أم لا، متاحة للتحليل والاستخدام لأغراض متعددة.

ثانيًا، هناك خطر إساءة الاستخدام: فقد تُستغل هذه المعلومات للتأثير السياسي، أو التسويق الاستراتيجي، أو حتى استهداف أفراد أو جماعات بعينها.

ثالثًا، قد تؤدي التحليلات الآلية أو الافتراضات الناتجة عن الذكاء الاصطناعي إلى استنتاجات خاطئة، مع ما يترتب عليها من وصم أو تضليل.

أخيرًا، يطرح هذا التحول تساؤلات أخلاقية وقانونية حول الحدود بين الأمن والحرية، ومسؤولية الأفراد والمنصات في حماية بيانات المستخدمين، وضمان عدم تحويل الفضاء الرقمي إلى أداة رصد دائمة دون رقابة أو مساءلة.

خاتمة:

لقد تحول جمع المعلومات من مهمة باهظة التكاليف ومجهدة على مستوى الموارد البشرية والمادية إلى عملية شبه تلقائية عبر منصات التواصل الاجتماعي.

اليوم، لا تحتاج الاستخبارات إلى تجنيد شبكات واسعة أو المخاطرة في الميدان؛ فالمستخدمون أنفسهم يقدّمون بياناتهم طواعية، من منشورات وصور وفيديوهات ومواقع جغرافية، ما يتيح تحديث قاعدة المعلومات بشكل لحظي.

هذا التحول يفتح آفاقًا جديدة للتحليل والاستفادة، لكنه في الوقت نفسه يسلّط الضوء على تحديات أخلاقية وقانونية مهمة: حماية الخصوصية، ومنع إساءة الاستخدام، وتجنّب الاستنتاجات الخاطئة التي قد تضر بالأفراد أو الجماعات.

لذا، يصبح الوعي الرقمي للمستخدمين، والتشريعات المناسبة، والتقنيات المسؤولة حجر الزاوية في التوازن بين الاستفادة من هذه المصادر الرقمية والحفاظ على الحقوق الأساسية.

في النهاية، يوضح هذا الواقع كيف أصبح التواصل الاجتماعي ليس مجرد وسيلة للتفاعل الاجتماعي، بل أداة استخباراتية متاحة للجميع، تحمل فرصًا كبيرة ومخاطر جسيمة، وهو ما يستدعي إدراك الأفراد والمؤسسات لدورهم ومسؤوليتهم في الفضاء الرقمي.

إرسال التعليق