من صراع المصالح إلى الفيدرالية: قراءة في الأوضاع الجيوسياسية لشرق المتوسط

مروان فلو

يشهد شرق المتوسط واحدة من أعقد المراحل في تاريخه الحديث، حيث تتشابك الصراعات الجيوسياسية مع التنافس على موارد الطاقة والمياه وسط معادلات إقليمية متغيرة. وتبرز سوريا والعراق كمساحة رئيسية لتصارع النفوذ الدولي والإقليمي، فيما تضيف الملفات المتفجرة مثل الصراع التركي–الإسرائيلي وأزمة المياه وصعود الجماعات المتطرفة أبعاداً جديدة لهذه الأزمة. أمام هذا المشهد، يطرح نموذج الحكم الفيدرالي كأحد المسارات الممكنة نحو تسوية سياسية طويلة الأمد في سوريا.

1- الخلفية الجيوسياسية والإرث التاريخي

1.1 اكتشافات الطاقة وتحولات التحالفات

أعادت اكتشافات الغاز الكبرى في شرق المتوسط منذ 2010 تشكيل التحالفات الإقليمية. فقدرت هيئة المسح الجيولوجي الأمريكية الاحتياطيات بأكثر من 80 تريليون قدم مكعب، أي ما يقارب نصف احتياطات روسيا تقريباً (١). هذه الثروة دفعت إلى بروز كتلتين رئيسيتين:

منتدى غاز شرق المتوسط (2019): يضم مصر، اليونان، قبرص، إسرائيل، الأردن، إيطاليا، وانضمت إليه لاحقاً الإمارات. يهدف إلى تنشيط سوق الغاز وتعزيز الاستثمارات.

التحالف التركي–الليبي: يشمل تركيا، ليبيا، قبرص الشمالية، سوريا ولبنان، ويركز على توسيع النفوذ البحري التركي عبر اتفاقيات ثنائية ومشاريع غاز جديدة (٢).

الحقل المياه الاحتياطيات. الدول المتنازعة
(تريليون قدم³)
ظُهر مصرية 30 مصر، إسرائيل
لفياثان إسرائيلية 22 إسرائيل، لبنان
كاليبسو قبرصية 7 قبرص، تركيا
غزة مارين فلسطينية 1.5 فلسطين، إسرائيل

1.2 الإرث التاريخي للصراعات

تتجذر أزمات شرق المتوسط في تاريخ طويل من النزاعات. فالتوتر التركي–اليوناني يعود إلى حرب الاستقلال اليونانية (1821–1830)، بينما أسست معاهدة لوزان (1923) لحدود ما زالت موضع نزاع (٣). أما المسألة القبرصية، فازدادت تعقيداً بعد إعلان “جمهورية شمال قبرص التركية” عام 1983، التي لم تعترف بها سوى تركيا (٤).

2- الصراع التركي–الإسرائيلي: المواجهة غير المباشرة

2.1 تحولات التحالفات

شهدت العلاقات التركية–الإسرائيلية تصعيداً واضحاً، خاصة بعد وقف أنقرة للتجارة مع تل أبيب احتجاجاً على حرب غزة الأخيرة (٥). ورغم حدّة الخطاب، فإن ميزان الردع يجعل المواجهة المباشرة غير مرجحة.

2.2 مقارنة القدرات العسكرية

القدرة. تركيا إسرائيل

القدرات السيبرانية متوسطة–متقدمة متقدمة جداً
القوة الجوية طائرات مسيّرة متطورة. مقاتلات متقدمة
الدفاع الجوي. باتريوت، HISAR. القبة الحديدية
القوات الخاصة متقدمة. نخبوية جداً
العمق الاستراتيجي واسع جغرافياً وديمغرافياً محدود

2.3 أوراق الضغط الإقليمية

تعتمد إسرائيل على ورقة الكُرد شمال سوريا وبعض الأقليات، بينما تراهن تركيا على تحالفاتها مع أذربيجان ومصر والخليج لتقويض النفوذ الإسرائيلي في ملف الغاز (٦).

3- التدخل التركي في سوريا: الذرائع والحقائق

3.1 التوسع التركي

تبرر أنقرة تدخلها العسكري في سوريا بمواجهة وحدات الحماية الكُردية، غير أن الواقع يكشف مسعى استراتيجي لترسيخ نفوذها في قواعد عسكرية مثل “تي-4″ بحمص و”منغ” بريف حلب (٧).

3.2 الرد الإسرائيلي والموقف الدولي

تعتبر إسرائيل الوجود العسكري التركي تهديداً مباشراً لحرية تحركها العملياتي. لذا شنت هجمات على مواقع مثل قاعدة “تي-4″، معتبرة أن التحالف التركي–السوري المحتمل قد يكون أخطر من التهديد الإيراني (٨).

3.3 التداعيات الإنسانية

يتعرض المدنيون لانتهاكات مباشرة وغير مباشرة، أبرزها حرمان سكان شمال شرق سوريا من مياه محطة “علوكي”، ما يهدد حياة مئات الآلاف (٩).

4- أزمة المياه: سلاح تركيا الجيوسياسي

4.1 تخفيض الحصص المائية

خفضت أنقرة تدفق نهري دجلة والفرات، مما تسبب في انهيار الزراعة بالعراق وتراجع إنتاج الكهرباء بسوريا (سد الطبقة)، ما فاقم المعاناة الإنسانية (١٠).

4.2 التواطؤ الدولي

رغم انتهاك تركيا للاتفاقيات الدولية حول تقاسم المياه، يلتزم المجتمع الدولي صمتاً لاعتبارات سياسية واقتصادية. بعض المراقبين العراقيين دعوا إلى تحرك عاجل، دون استجابة ملموسة (١١).

5- صعود التطرف: عودة الجماعات المتشددة

5.1 الفراغ الأمني بعد الانسحاب الأمريكي

ساهم الانسحاب الأمريكي من العراق بخلق فراغ استغلته تنظيمات متطرفة لإعادة تنظيم صفوفها، في ظل اتهامات لتركيا بتسهيل بعض أنشطتها بشكل غير مباشر (١٢).

5.2 جهود المواجهة

تسعى دول المنطقة لتشكيل تحالف رباعي (تركيا، العراق، سوريا، الأردن) لمواجهة “داعش” وإدارة ملف السجون، غير أن الخلافات الإقليمية ولا سيما الموقف الإيراني تقوض فرص نجاحه (١٣).

6- الحل الفيدرالي: مخرج للأزمة السورية

6.1 إطار دستوري جديد

يقترح النموذج الفيدرالي صيغة حكم لامركزي تحفظ وحدة الدولة وتمنح الأقاليم السورية حقوقاً ثقافية وسياسية، بما يشمل جميع المكونات القومية والدينية (١٤).

6.2 ضمانات دستورية

الاعتراف بجميع المكونات وحقوقها القومية و اللغوية والثقافية.

توزيع السلطات بين المركز والأقاليم.

آليات لفض النزاعات سلمياً.

توزيع عادل للثروات الوطنية (١٥).

6.3 الدعم الدولي

تطرح دوائر أمريكية خيار الفيدرالية كحل عملي لتخفيف التوترات، بما يضمن الاستقرار ويمنع عودة التطرف (١٦).

خاتمة

تتداخل في شرق المتوسط صراعات الطاقة والمياه مع الحسابات الأمنية والتاريخية، لتشكل مشهداً إقليمياً معقداً. ومع استحالة الحسم العسكري لأي طرف، يبدو أن الحل السياسي عبر نموذج فيدرالي في سوريا قد يمثل مخرجاً واقعياً يوازن بين وحدة الدولة وحقوق مكوناتها، ويفتح الباب نحو استقرار نسبي في منطقة مضطربة.

إرسال التعليق