الوجه الخفي لبريطانيا في الأزمة السورية

الوجه الخفي لبريطانيا في الأزمة السورية

ضيا اسكندر
كاتب

منذ أن كانت بريطانيا إمبراطورية لا تغيب عنها الشمس، أتقنت لعبة السيطرة دون مواجهة، مفضّلةً أن تُدير المشهد من خلف الستار عبر وكلاء محليين، واتفاقيات تُكتب في الخفاء، وتحالفات لا تُعلن. من اتفاقية سايكس–بيكو التي أعادت رسم خرائط المنطقة، إلى دعم تيارات سياسية دون توقيع أو تصريح، كانت لندن دائماً تفضّل دور “العقل المدبر” على أن تكون “الوجه الظاهر”.

ومع نهاية الحرب العالمية الثانية وصعود الولايات المتحدة كقوة عالمية أولى، تراجعت بريطانيا عن صدارة المشهد، لكنها لم تتنازل عن نفوذها. بل أعادت تموضعها كلاعب تكميلي داخل التحالف الغربي، خصوصاً في الملفات الحساسة مثل العراق وسوريا، حيث اختارت أن تمارس تأثيرها عبر أدوات استخباراتية، إعلامية، ودبلوماسية تعمل في الظل، بعيداً عن الأضواء، وأكثر فاعلية من الضجيج.

وفي الوقت الذي تتبارز فيه القوى الكبرى على الساحة السورية- من واشنطن إلى موسكو، ومن أنقرة إلى تل أبيب- بتصريحات وتحركات عسكرية معلنة، تظل بريطانيا حاضرة بصمت، كأنها تفضّل أن تكون “اليد التي تحرك الدمى”، دون أن تصعد إلى خشبة المسرح. إنها سياسة التواري المدروس، حيث لا يُرى اللاعب، لكن أثره حاضر في كل تفصيل.

هذا الأسلوب ليس وليد اللحظة، بل هو امتداد لفلسفة بريطانية عتيقة في إدارة النفوذ، تقوم على التأثير من بعيد بلا ضجيج. من الاتفاقيات السرية التي أعادت رسم خرائط الشرق الأوسط، إلى وعد بلفور الذي غيّر وجه التاريخ، كانت بريطانيا تزرع بذور التحول ثم تنسحب، تاركة الألغام السياسية والاجتماعية تتفجر وحدها. واليوم، في عصر الرقابة المطلقة والانكشاف الفوري، طوّرت أدواتها لتواكب زمناً لا يرحم من يظهر علناً.

في سوريا، تجلّت هذه السياسة الخفية بأوضح صورها، فبينما أعلنت القوى الأخرى عن قواعدها وتحالفاتها ودعمها للفصائل، اكتفت بريطانيا بدور صامت، يعتمد على أدوات دقيقة، من دعم إعلامي، وتمويل حملات دعائية، ونشاط استخباراتي، وتحركات عبر شركات خاصة ومنظمات مدنية.
تقارير غربية كشفت أن لندن شاركت في برامج سرية لتدريب وتسليح المعارضة، بالتعاون مع وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية. كما نشرت قوات خاصة في شمال سوريا، على الرغم من رفض البرلمان البريطاني لأي تدخّل عسكري علني، ما يعكس ازدواجية القرار السياسي، وتفضيلاً للعمل في الظل، بعيداً عن الأعين والمساءلة.

ولم تكتفِ بريطانيا بالميدان العسكري، بل خاضت معركة السرديات بمهارة، حيث موّلت وزارة الخارجية البريطانية شركات خاصة لإدارة حملات إعلامية ضد الحكومة السورية، لتوجيه الرأي العام عبر وسائل التواصل والمنصات الإخبارية، وإعادة تشكيل الخطاب الدولي حول الأزمة السورية، دون أن يُنسب ذلك إليها مباشرة.
وفي الوقت ذاته، كانت من أبرز المحرّكين داخل الاتحاد الأوروبي لفرض العقوبات الاقتصادية على دمشق، واستمرت في النهج ذاته بعد خروجها من الاتحاد الأوروبي.

الأكثر تعقيداً كان ما يجري في الظل الاستخباراتي، حيث نشط جهاز الاستخبارات الخارجية البريطاني في شمال سوريا، وتولّى ملفات حساسة مثل تنسيق الدعم اللوجستي للفصائل، وإدارة الاتصالات السرية بين أطراف متناقضة، بل وصلت تقارير إلى الحديث عن دور غير مباشر في تصفية شخصيات متطرفة أصبحت عبئاً على المخطط الغربي.

كل ذلك جرى بصمت، بلا مؤتمرات صحفية ولا استعراضات إعلامية، في إطار سياسة واضحة: أن تفعل الكثير من دون أن تكشف أوراقك.
لماذا هذا الانسحاب من الأضواء؟
لأن بريطانيا تدرك أن أي ظهور علني سيوقظ ذاكرة استعمارية مثقلة، من تقسيم الحدود إلى إشعال الأزمات. كما أن الرأي العام البريطاني بات شديد الحساسية تجاه أي مغامرة عسكرية بعد فضائح العراق وأفغانستان، ما يجعل ثمن التدخل المعلن باهظاً سياسياً.
يُضاف إلى ذلك العامل الاقتصادي؛ فبريطانيا ما بعد الخروج من الاتحاد الأوروبي لا تملك رفاهية الحروب الطويلة، لكنها تعلم أن النفوذ لا يُصنع دائماً بالدبابات، بل غالباً بالمعلومة والمال والخطاب.

ما يبدو “تخفياً” ليس سوى فلسفة نفوذ ضاربة الجذور، تقوم على السرية وتفضيل التأثير على الواجهة. إنها سياسة الظل، حيث يبقى اللاعب بعيداً عن الأعين لكن أثره يتغلغل في كل التفاصيل. وبينما تتسابق القوى الأخرى على الضجيج وإظهار العضلات، تكتب بريطانيا تاريخاً آخر بصمت، وبحرفية عالية، وبأدوات لا تُدرك إلا لمن يتقصّى العمق.

الإمبراطورية التي كانت الشمس لا تغيب عنها لم تختفِ عن المشهد؛ بل أعادت رسم ملامحها في الظلال، أكثر دهاءً من أي وقت مضى، تحرّك الخيوط من وراء الستار وتستبدل طبول الحرب بهمسات النفوذ. إنها اللعبة القديمة بثوب جديد: أن تكون في قلب الحدث، دون أن يلحظك أحد.

إرسال التعليق

اخبار قد تهمك