شتان بين نقاشهم القانوني ونقاشنا الشخصي الآن!
كتب أحد الزملاء عبر صفحته في الفيسبوك منشورًا ذكر فيه بأن “لكل تشريع مؤيدوه ومعارضوه وآخرون جالسون على التل يقرأون التعليقات، وعندما شُرّع القانون المدني العراقي رقم 40 لسنة 1951، والذي دخل حيّز التنفيذ عام 1952، مثّل ذلك لحظة انتقالية فارقة في تاريخ التشريع العراقي. فقد انتقل المشرّع من الاعتماد شبه الكامل على مجلة الأحكام العدلية المستندة إلى الفقه الحنفي، إلى منظومة قانونية حديثة مستوحاة من القانون المدني المصري، الذي صاغه عبد الرزاق السنهوري، والذي بدوره استلهم من القانون الفرنسي مع مراعاة الفقه الإسلامي.
كيف تعامل القانونيون مع القانون الجديد؟
- اتجاه التكييف والتأصيل
- اتجاه الترجمة والتكييف اللغوي
- اتجاه الرفض والتحفظ
في رأيك، هل موقف القانونيين الآن من المدونة الشرعية نفس تقسيمات القانونيين مع المدني في وقته؟”
فأجبته وبصراحة: “لا طبعًا، أكثر القانونيين العراقيين يخشون إبداء الرأي أصلًا خشية أن يُتهموا بأنهم أبناء سفارات وضد الدين والمذهب، فشلهم بدوخة الرأس، لذلك الأغلب جالسون على التل ويروق لي أن أجلس معهم.”
فعّقب على ذلك بأن “الجلوس على التل ليس موقفًا، بل تعليق مؤقت على الحياة.
حين شُرّع القانون المدني عام 1951، لم يكن الجو العام أكثر هدوءًا مما هو عليه اليوم. كانت هناك سلطات، تيارات، حساسيات دينية، وتوجسات سياسية. ومع ذلك، خاض القانونيون العراقيون النقاش، وكتبوا، وفسّروا، وواجهوا، ولم يُتهم أحدهم بأنه “ابن سفارة” أو “ضد الدين”، بل اعتُبروا بناة لغة قانونية جديدة.
أما اليوم، فإن من يخشى إبداء الرأي في المدونة الشرعية خشية الاتهام، فهو لا يُدافع عن نفسه، بل يُفرّط في دوره. لأن القانوني الذي لا يُبدي رأيًا في التشريع، يُشبه الطبيب الذي يرفض تشخيص المرض خوفًا من أن يُتهم بأنه يُسيء للمريض.
المدونة الشرعية ليست اختبارًا للولاء، بل اختبار للوعي. ومن يراها “دوخة رأس”، فربما لم يقرأها، أو لم يعتد أن يقرأ ما يتطلب تفكيرًا.
أما من “يروق له الجلوس على التل”، فليعلم أن التاريخ لا يكتب أسماء المتفرجين، بل أسماء من نزلوا إلى الساحة، وواجهوا النص بالحجة، لا بالسخرية.
المدونة ليست معركة بين الدين والدولة، بل محاولة لإعادة الاعتبار للفقه كمصدر تشريعي حي. ومن يرفضها، فليكتب، فليجادل، فليُفنّد. أما أن يضحك ويجلس، فذلك ليس موقفًا قانونيًا، بل تعليق ساخر على دوره الذي لم يُؤدَّ بعد.”
فقلت له: “هذا هو الفرق، آنذاك لم يُتهم من يناقش أو ينتقد نصًا من نصوص القانون المدني، أما اليوم فأعتقد أنت شاهد على ماذا يُتهم به المخالفون. لم أقل المدونة دوخة رأس، لا تقولني ما لم أقله، وإنما الردود على الرأي فيها، السخرية مرات تنطلق من قاعدة شر البلية ما يضحك، ما تقوم به جنابك الكريم من تصوير منشورات القاضي رحيم العكيلي وغيره من خبراء القانون الذين ينتقدون صياغة مدونة الأحكام وآلية صدورها وتهاجمهم في منشوراتك، هل تعتبره موقفًا قانونيًا؟
لذا شتّان بين نقاش رجال القانون في خمسينيات القرن الماضي ونقاشنا الشخصي الآن، ما يقوم به رواد مواقع التواصل الاجتماعي من رجال قانون وغيرهم مدعاة للأسى والحزن والخوف يا زميلي.
وليد عبدالحسين: محامٍ/ الصويرة



إرسال التعليق