هكذا هو مذهب جعفر الصادق

لا زلت أذكر أنه في إحدى مراحل الدراسة الابتدائية كان لدينا إما درس في كتاب القراءة أو كتاب مادة الإسلامية، الرواية التي تروى عن الإمامين الحسن والحسين عليهما السلام والتي مفادها بأنه “قد رأى الحسن والحسين رجلاً يتوضأ فلا يحسن الوضوء، فأزمَعا أن ينصحا الرجل لتصلح عبادته، ويحسن مفتاح دخوله إلى الصلاة، ولكن كيف؟!
إن من النصح ما يغضب ويثير إذا لم تنطلق إليه بوصايا الإسلام بالحكمة والرفق والموعظة الحسنة والمداخلة الذكية، ولقد كان ذلك في حساب ابني بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم الحسن والحسين – رضي الله عنهما – وهما يتقدمان إلى الرجل فيقولان: إننا نتنازع أيُّنا أحسن وضوءًا، فهل لك أن تنظر إلى كل واحدٍ منا وهو يتوضأ فتحكم أيُّنا أصح وضوءًا؟!
وأبدى الرجل استعداده لما طلبا في فرح وغبطة بالنفوس الكبيرة وإن غلفتها أجسام ناشئة صغيرة!
وتوضأ الحسن فأحسن، وتوضأ الحسين فأصاب، ورأى الرجل ذلك فقال: بارك الله عليكما، والله إن وضوءكما لخير من وضوئي”.
ولعظمة هذا الفعل وهذا الدرس، يشهد الله بقي راسخًا في ذهني طوال سني دراستي وعمري، وتذكرته الآن وأنا أتصفح صفحات مواقع التواصل الاجتماعي وأرى كثيرًا ممن يحسبون أنفسهم مثقفين ونخبًا، يأخذون صورًا لمنشورات زملاءهم أو كتاب آخرين ويبدأون يتناولون أصحابها بالتقريع والإساءة والوصف بالجهل والاتهام، لا سيما أن البعض من هؤلاء ممن يدعي وصلا بأهل بيت النبوة ولا أدري أين هم من خلق الحسنين عليهما السلام وهما يوضحان للرجل خطأه ولكن بطريقة لن تنال منه ولا تسيء إليه، هذه هي مدرسة النبوة وأهل البيت عليهم السلام، ليست بضعة أحكام عملية واجتهادية أتفوق بها على خصمي، وإنما سلسلة متكاملة من الخلق القويم والإيثار والمواقف وخدمة المجتمع وعدم الإساءة وعدم السباب، ألم يكره لنا أمير المؤمنين عليه السلام أن نكون سبابين حينما نهر أصحابه ومنعهم من سب الآخرين وخطبته بذلك موجودة في نهج البلاغة.
وكانت محقة إحدى الزميلات والإعلاميات حينما احتجت على إحدى المتصديات للظهور الإعلامي ممن تدعي تأييد أحكام المذهب الجعفري وتحويله إلى نصوص قانونية للأحوال الشخصية في المحاكم إلا أنها متبرجة وسافرة وتتناول من يختلف معها بالسب والشتم والإساءة، فلم تملك حجة حينما سُئلت كيف تجمع بين طاعة أهل البيت وتأييد مذهبهم وتظهر سافرة لا ترتدي الحجاب لا سيما وأن أم الأئمة السيدة الزهراء عليها السلام قالت كما تروي عنها كثير من مصادر المسلمين بأن خيرًا للمرأة أن لا ترى رجلاً أجنبيًا ولا رجلاً أجنبيًا يراها، ويقينا معنى قولها الرؤية بدون مراعاة الظهور والخروج الإسلاميين ودون تبرج وريبة.
أهل البيت عليهم السلام ومذهب جعفر بن محمد الصادق مدرسة متكاملة لا يصح أن ندّعي وصلا بمرحلة من مراحلها ونترك الأخرى “أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ ۚ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَٰلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ۖ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَىٰ أَشَدِّ الْعَذَابِ ۗ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ” آية (٨٥) البقرة.

وليد عبدالحسين : محام / الصويرة

إرسال التعليق