حرب أكتوبر 1973…صدمة اسرائيل ونهايتها لولا أميركا !

عبدالله عطوي الطوالبة
كاتب وباحث
نجح العرب في تضليلنا. تعترف “جولدا” بذلك وتُقر بصراحة في مذكراتها.
نجح العرب في تضليلنا إلى حد “أننا لم نجد ضرورة لاستدعاء الإحتياطي، ولم يفكر أحد في أن الحرب وشيكة الوقوع”.
ولعل أول أدلة براعة العرب في تضليل العدو، اختيارهم يوم كيبور(عيد الغفران عند اليهود) للهجوم. هذا اليوم، كما تصفه “جولدا”، “أكثر أيام التقويم اليهودي خشوعًا وقداسة. إنه اليوم الوحيد في السنة، الذي يتحد فيه اليهود كلهم في أنحاء العالم كلها في نوع من العبادة حتى لو لم يكونوا من الورعين الأتقياء”. وفيه أيضًا، كما تقول “يمتنع المؤمنون من اليهود عن الطعام والشراب والعمل، ويقضونه في المعابد، في الصلاة والاستغفار عن الخطايا التي ارتكبوها خلال العام”. باختصار، في هذا اليوم يتخدر أتباع الديانة اليهودية بأفيون الهوس الديني، مثل غيرهم من أتباع الديانات في مناسبات مشابهة.
أبرز عسكريي اسرائيل آنذاك، موشي ديان وزير حربهم وحاييم بارليف رئيس أركان سابق ورئيس المخابرات، أكدوا لرئيسة الوزراء صاحبة المذكرات أن الحرب احتمال بعيد. وتضيف “جولدا” في السياق:”أما مخابراتنا فمعروف عنها أنها من بين أحسن المخابرات في العالم. ومع ذلك لم تتوقع الهجوم العربي يوم السادس من أكتوبر”. وتؤكد أن القلق ظل يساورها رغم التطمينات.
ليلة يوم الهجوم العربي، كما تسميه، تقول إنه لم يغمض لها جفن. وفي حوالي الساعة الرابعة صباحًا، دق جرس التلفون وكان المتحدث سكرتيرها العسكري. وقد أبلغها بمعلومات وصلت توًّا، تفيد بأن المصريين والسوريين سيشنون هجومًا مشتركًا في وقت متأخر من بعد ظهر اليوم(السادس من أكتوبر 1973).
طلبت “جولدا” السفير الأميركي لدى “اللقيط” آنذاك، كنيث كيتنج لمقابلتها، وأبلغته بأن الهجوم على اسرائيل طبقًا لتقارير مخابراتها سوف يبدأ في ساعة متأخرة من بعد الظهر، وأن اسرائيل لن تبدأ الضربة الأولى. بعد ذلك ترأست اجتماعًا للحكومة ناقشت خلاله قرار تعبئة الاحتياطي. فجأة، كما تقول “جولدا”، وبينما نحن مجتمعون، دفع سكرتيرها العسكري باب غرفة الاجتماع وعلى لسانه كلمات محددة: بدأ الضرب. وسمعنا في اللحظة ذاتها تقريبًا نعيق صفارات الإنذار في تل أبيب. لقد بدأت الحرب.
تواصل “جولدا”: “لم يقتصر الأمر على أننا لم نتلقَّ انذارًا في الوقت المناسب، بل أننا كنا نحارب في الوقت نفسه على جبهتين ونقاتل أعداء كانوا يعدون أنفسهم للهجوم علينا منذ سنين”.
وبخصوص موازين القوى، تقول:”كان هناك تفوق ساحق علينا من الناحية العددية، سواء في الأسلحة أو الدبابات، أو الطائرات أو الرجال. وكنا نعاني من انهيار نفسي سحيق”. وبخصوص أسباب الإنهيار النفسي توضح: “لم تكن الصدمة في الطريقة التي بدأت بها الحرب فحسب، ولكن أيضًا في حقيقة أن عددًا من افتراضاتنا الأساسية قد ثبت خطؤها. فقد كان احتمال الهجوم في اكتوبر ضئيلًا وكان هناك يقين بأننا سنحصل على الإنذار الكامل قبل وقوع الهجوم. وكان هناك إيمان بأننا سنقدر على منع المصريين من عبور قناة السويس”. وتؤكد في السياق ذاته، أن كيانها وجد نفسه في وضع حرج. ففي عصر يوم السابع من أكتوبر(ثاني أيام الهجوم العربي) عاد ديان من إحدى جولاته على الجبهة وطلب مقابلتها على الفور. وعندما قابلته أبلغها أن الموقف في الجنوب(الجبهة المصرية) قد وصل إلى درجة من السوء إلى حد أن على اسرائيل أن تقوم بانسحاب جذري، وتقيم خطًّا جديدًا للدفاع. وتقول “جولدا” أنها كانت تستمع لما يقول ديان في فزع.
دعت الحكومة إلى اجتماع، وحصلت خلاله على موافقة الوزراء على هجوم مضاد يوم الثامن من أكتوبر ضد المصريين. وتصف “جولدا” مشاعرها في تلك اللحظات الحرجة لها ولكيانها الشاذ اللقيط: “عندما أصبحت بمفردي في الغرفة أغلقت عيني وبقيت بلا حراك تمامًا لمدة دقيقة، وأعتقد أنني لو لم أتعلم خلال هذه الأعوام كلها كيف أكون قوية لكنت قد تحطمت كلية آنئذٍ”. وتكمل قائلة: “المصريون عبروا القناة، وكانت قواتنا في سيناء قد تحطمت. وكان السوريون قد تغلغلوا في عمق مرتفعات الجولان. وكانت الخسائر على كلا الجبهتين مرتفعة للغاية وثار سؤال حارق: هل نبلغ الأمة عند هذا الحد مدى السوء الذي بلغه الموقف. وكان لدي إحساس بأننا يجب أن ننتظر قليلًا”.
جاء ديان إلى مكتبها، وأغلق الباب خلفه، ثم وقف أمامها وسألها: هل تريدين مني أن أستقيل؟
رفضت طلبه، ولجأت هي وكيانها “اللقيط” إلى منقذهم الوحيد وما يزال: أميركا. نعم، أميركا. باعتراف كيسينجر في مذكراته، لولا أميركا انتهت اسرائيل في حرب أكتوبر 1973.
تؤكد “جولدا” ألا خيار غير الجسر الجوي الأميركي، خاصة وأن شحنات الأسلحة تنهال، كما تعبر، على مصر وسوريا من الإتحاد السوفييتي. وتقول إنها بكت لأول مرة منذ بداية الحرب، عندما علمت أن طائرات الجسر الجوي الأميركي بدأت تحط في مطار اللد حاملة السلاح لإنقاذ الكيان الاستعماري الغربي المزروع في فلسطين بإسم “إسرائيل”. وهاجمت الإتحاد السوفييتي بشدة، وما تصفه بدوره الشرير في المنطقة. هذا الدور، تراه “جولدا” في المعدات العسكرية، وشحنات الأسلحة جوًّا وبحرًا إلى مصر وسوريا والعراق”.
لكن حتى بعد تدفق السلاح الأميركي، كان يقلقها بل ويمزقها، كما تقول، الخوف من “أن تنفتح جبهة ثالثة، وينضم الأردن إلى الهجوم على اسرائيل. لكن الأردن اكتفى بإرسال فيلق مدرع لمساعدة السوريين”.
ولكي تبرر صاحبة المذكرات سياسات “اللقيط” الرافضة للإنسحاب من الأراضي الفلسطينية المحتلة سنة 1967، تقول:”أردت فوق كل شيء أن يعرف العالم ما الذي كنا نواجهه لو أننا انسحبنا إلى خطوط ما قبل حرب الأيام الستة، تلك الخطوط التي حدث أنها هي نفسها لم تمنع وقوع تلك الحرب”. هنا، تعيد “جولدا” العزف على اللحن الأثير لها وللدعاية الصهيونية بعامة، لتبرير استمرار عدوان “اللقيط” واحتلال المزيد من الأراضي العربية. مؤدى اللحن المقصود، “أن هدف العرب كان وما يزال تدمير دولة اسرائيل، وأننا حتى لو تراجعنا إلى خطوط 1967 إلى بقعة صغيرة لما توقفوا(العرب) عن محاول اجتثاث شأفتنا”.
يلفت النظر بخصوص حرب تشرين المجيدة 1973، قول رئيسة وزراء العدو في مذكراتها:”ولا بد أن أؤكد هنا للعالم بشكل عام، ولأعداء اسرائيل بشكل خاص، أن الظروف التي أودت بحياة 2500 اسرائيلي قتلوا في حرب يوم كيبور، لن تتكرر مرة ثانية”.
تقع المذكرات في 15 فصلًا، وقد خَصصت صاحبتها الفصل الرابع عشر كاملًا لحرب تشرين. قبل ذلك، جهدت “جولدا” على جري عادة الدعاية الصهيونية بالتصريح والتلميح أن هزيمة اسرائيل إلى المستحيل أقرب. لكن حرب أكتوبر أكدت العكس تمامًا، وجاء طوفان الأقصى، في الشهر ذاته بعد خمسين عامًا، ليؤكد أن “اللقيط” كيان تافه هش ليس بمقدوره الاستمرار لولا دعم أميركا وغربها الأطلسي. يتبع.



