قراءة في كتاب حروب إسرائيل السرية
قراءة في كتاب حروب إسرائيل السرية
محيي الدين ابراهيم
إيان بلاك (Ian Black): صحفي وكاتب بريطاني بارز، عمل مراسلًا في الشرق الأوسط لصحيفة الغارديان. له خبرة طويلة في الشؤون العربية والإسرائيلية.
بيني موريس (Benny Morris): مؤرخ إسرائيلي، أحد أبرز “المؤرخين الجدد”، متخصص في تاريخ الصراع العربي–الإسرائيلي.
اجتمع الاثنان لتأليف هذا الكتاب اعتمادًا على وثائق أصلية، ومقابلات مع ضباط استخبارات إسرائيليين، وتحقيقات صحفية موسعة.
وقد وجدنا أنه من الأهمية بمكان أن نقرأ العقل ( العبري ) لنتعرف على جوهر الصراع بيننا وبينه وكيف يفكرون، وفي هذا الكتاب يطرح المؤلفان قضايا كثيرة وربما ينظران للعرب نظرة تصل في بعض الفصول إلى نظرة دونية، ومن ثم، لا يمكن لأي صراع أن ينتهي إلا بانتصار الطرف الذي استطاع أن يقرأ عدوه جيداً وهو الغرض من قراءة هذا الكتاب.
يقول المؤلفان في هذا الكتاب:
إن إسرائيل لا ترى في العرب مجرد خصم عسكري، بل تعتبرهم معضلة ذهنية ونفسية، خصمًا يعيش أسير تناقضاته، يستدرج نفسه إلى الهزيمة أكثر مما يُهزم بقوة العدو. فالعقل العربي، سياسيًا واستراتيجيًا، ظلّ طوال عقود يتأرجح بين الانفعال والانتظار، بين ردّ الفعل الفجائي، وبين غياب التخطيط المؤسسي طويل المدى.
ويكشفان في فصول الكتاب أن إسرائيل استفادت دائمًا من الانقسامات العربية، وأن هشاشة الأنظمة وغياب الثقة بين العواصم مكّنتها من اختراقات غير محسوبة. هنا يتبدى نقد للعقل السياسي العربي: نزعة فردية في الحكم، غياب المؤسسية، والتبعية للقرار اللحظي بدل الرؤية الإستراتيجية. كأن العقل السياسي العربي لا يشتغل بمنطق “العقل الجمعي” بل “الرأس الواحد” الذي يسهل التلاعب به أو عزله.
ويتحدثان في هذا الكتاب عن أنه من أبرز المفارقات أن العرب ظلوا موضوعًا للدراسة من قبل خصومهم أكثر مما درسوا أنفسهم بأنفسهم. في الوثائق الإسرائيلية، نجد جهودًا دقيقة لفهم المجتمع العربي ونفسيته، بينما ظلّت مراكز البحث العربية أسيرة الدعاية الرسمية، تكرر شعارات ولا تنتج معرفة استراتيجية. إن نقد العقل العربي هنا لا يخص فقط السياسة، بل الثقافة والبحث العلمي التي فشلت في أن تكون سندًا لصانع القرار.
ويرصد الكتاب بوضوح كيف استثمرت إسرائيل في مباغتة العرب: ضرب المفاعل النووي العراقي 1981، اختراق العلماء العرب في مصر والعراق، ونجاحات في استشراف النوايا. في المقابل، ظل الرد العربي متأخرًا، غاضبًا، غير محسوب. العقل العربي في السياسة بدا كأنه عقل “ينتظر الضربة ليردّ”، وليس عقلًا يبادر ليمتلك زمام اللحظة.
ويقولان أيضا أن النظم السياسية العربية لم تُشرك شعوبها في معركة الوعي. في حين كانت إسرائيل تستثمر الإعلام لبناء سردياتها وتبرير عملياتها، ظل الإعلام العربي في كثير من الأحيان أداة لتخدير الجماهير أو تضخيم الانتصارات الوهمية. هنا يظهر نقد آخر للعقل العربي: فقدان الصدق مع الذات، وتغييب الشفافية التي تُنتج وعيًا مقاومًا صلبًا.
ويلفت المؤلفان النظر إلى أن الاستخبارات، مهما بلغت قوتها، ليست بديلًا عن السياسة. هذه إشارة كان يمكن أن تكون درسًا للعقل العربي: أن المواجهة لا تُخاض بالسلاح وحده ولا بالمعلومة وحدها، بل بتركيبة متكاملة من القوة والشرعية والسياسة والاقتصاد. لكن العرب كثيرًا ما اكتفوا بشعار “الصمود” دون بناء أدواته الحقيقية.
العقل العربي السياسي، كما يكشفه الكتاب من غير قصد، هو عقل مأزوم بثلاثية: غياب الرؤية، ضعف المؤسسية، أسر الانفعال. وفي حين نجح الإسرائيليون في تحويل المعلومة إلى أداة سلطة، عجز العرب عن تحويل الثروة البشرية والجغرافية والاقتصادية إلى مشروع متماسك.
إن معركة العرب الحقيقية ليست فقط مع إسرائيل، بل مع ذواتهم: مع عقل سياسي يحتاج إلى نقد جذري يعيد بناءه على أسس العقلانية، الشفافية، والتخطيط بعيد المدى.
محتوى الكتاب وعدد فصوله:
الكتاب مقسّم إلى 13 فصلًا رئيسيًا + مقدمة وخاتمة، تغطي مسيرة الاستخبارات الإسرائيلية منذ بداياتها قبل قيام الدولة وحتى الانتفاضة الفلسطينية الأولى.
جوهر الفصول:
الأصول( 1936 –1946)
– بدايات العمل الاستخباراتي اليهودي في فلسطين تحت الانتداب البريطاني، خاصة عبر “الهاجاناه”
اختبار المعركة (1947–1949)
– دور الاستخبارات في حرب 1948 وتأسيس دولة إسرائيل.
آلام المخاض (1948–1951)
– بناء الأجهزة الأمنية والموساد، وتثبيت دعائم الدولة الجديدة.
من حرب إلى حرب (1949–1956)
– صعود التوتر مع العرب، محاولات الاختراق، والتجسس في دول الجوار.
أعداء الداخل (1948–1967)
– التعامل مع الفلسطينيين داخل الأراضي المحتلة، ودور “الشاباك”.
القفزات الكبرى للأمام (1956–1967)
– حرب السويس 1956، وتطور العمل الاستخباراتي الإسرائيلي بشكل احترافي.
ستة أيام في يونيو (1967)
– دور الاستخبارات في حرب 1967 وكيف أسهمت المعلومات المسبقة في تحقيق الانتصار.
التحديات الفلسطينية (1967–1973)
– ظهور المقاومة الفلسطينية كفاعل مركزي، ومحاولات إسرائيل لاختراقها.
1973
– الفشل الاستخباراتي الذريع في حرب أكتوبر، وصدمته داخل إسرائيل.
فترة خلو العرش مع السلام (1974–1980)
– ما بعد الحرب: فضائح الاستخبارات، وبداية مسار السلام مع مصر.
المستنقع اللبناني (1978–1985)
– التدخل الإسرائيلي في لبنان، العلاقات المعقدة مع الميليشيات المحلية، واغتيالات الموساد.
المخاطر المهنية (1984–1987)
– أخطاء الأجهزة: تعذيب، قتل سجناء، فضائح الشاباك.
الانتفاضة (1987–1990)
– المواجهة الجديدة مع الشعب الفلسطيني، وفشل إسرائيل في التنبؤ باندلاع الانتفاضة الأولى.
الخاتمة:
– تقييم عام لتاريخ الاستخبارات الإسرائيلية، نجاحاتها وإخفاقاتها، مع الإشارة إلى أن الصراع مع العرب ما يزال مستمرًا.
أهمية الكتاب:
أول دراسة موسعة تكشف أسرار الاستخبارات الإسرائيلية (الموساد – الشاباك – أمان) بقدر كبير من التوثيق.
يقدم صورة من الداخل عن علاقة الأمن بالسياسة في إسرائيل.
يكشف قصص اغتيالات، عمليات تجسس، وأخطاء قاتلة حجبتها الرقابة العسكرية لسنوات.
الهدف من نشر الكتاب بالإنجليزية:
تقديم رواية تجمع بين الشهادة التاريخية والتحقيق الصحفي.
كسر أسطورة “الاستخبارات التي لا تُقهر” عبر إظهار إخفاقاتها إلى جانب نجاحاتها.
إبراز أن الصراع العربي–الإسرائيلي لم يكن فقط عسكريًا، بل معركة استخباراتية بالأساس.



إرسال التعليق