تحسين مستوى الخدمة الطبية في مصر قضية ملحّة
تحسين مستوى الخدمة الطبية في مصر قضية ملحّة لا تقبل التأجيل، فالصحة هي حجر الأساس لأي نهضة حقيقية. المواطن المريض لا يستطيع العمل أو الإنتاج، والاقتصاد الوطني لا يمكن أن ينهض دون قوة بشرية سليمة. لذلك يصبح إصلاح القطاع الصحي واجبًا وطنيًا يتجاوز حدود القرارات الإدارية إلى كونه استثمارًا في مستقبل الدولة.
أولى الخطوات تبدأ بالعنصر البشري، فهو قلب المنظومة. الطبيب والممرض إذا لم يحظوا بالتقدير المادي والمعنوي لن يتمكنوا من تقديم أفضل ما لديهم. رفع الرواتب وتقديم حوافز واقعية، إلى جانب برامج تدريب (Continuous Training Programs) تواكب التطور الطبي العالمي، يمثلان ضرورة. كما أن الحد من ظاهرة هجرة الكفاءات (Brain Drain) يتطلب توفير بيئة عمل جاذبة وآمنة، سواء من حيث الدخل أو الاحترام أو التوازن بين الحياة المهنية والشخصية.
أما البنية التحتية فهي بحاجة إلى تطوير شامل. المستشفى الحديث لا يقتصر على المبنى فقط، بل على وجود أجهزة تشخيص دقيقة (Diagnostic Tools) مثل أجهزة الرنين المغناطيسي (MRI) والأشعة المقطعية (CT Scan) ومعامل تحاليل متطورة. هذه الإمكانيات تقلل الأخطاء الطبية وتسرّع التشخيص. لكن الأهم أن تُوزع بعدالة على المحافظات، فلا يعقل أن يضطر مريض في الصعيد للسفر مئات الكيلومترات للحصول على خدمة أساسية.
الإدارة تظل نقطة الضعف الأخطر. غياب (Good Governance) يفتح الباب للهدر والفساد، ويجعل المريض يدفع الثمن في النهاية. المطلوب هو فصل العمل الإداري عن الممارسة الطبية، وإسناد الإدارة لمتخصصين في (Healthcare Management)، مع اعتماد نظم رقمنة (Digital Systems) للملفات الطبية والمشتريات، وهو ما يقلل التلاعب ويزيد الشفافية.
جانب آخر لا يقل أهمية هو الوقاية، إذ إن التوسع في حملات التوعية الصحية وتثقيف الناس بعادات غذائية سليمة، والاهتمام بالتطعيمات الدورية وبرامج مكافحة التدخين والسمنة، كلها أمور تقلل من الأعباء المالية الهائلة الناتجة عن العلاج. الوقاية دائمًا أرخص وأكثر فاعلية من العلاج.
ويأتي التأمين الصحي الشامل (Universal Health Insurance) كخطوة استراتيجية لضمان العدالة في الحصول على الخدمة. تطبيق هذا النظام بشكل متكامل سوف يرفع عن المواطن عبء تكلفة العلاج، ويضمن حصول الفقراء ومتوسطي الدخل على خدمات علاجية لائقة دون إفلاس مالي. نجاح التجربة يتوقف على تمويل مستدام ورقابة فعّالة تمنع أي استغلال أو تمييز بين المرضى.
ولا يمكن إغفال دور التكنولوجيا الحديثة، خصوصًا الذكاء الاصطناعي (Artificial Intelligence – AI) في الطب. يمكن لتقنيات (AI) أن تساهم في قراءة الأشعات والتحاليل بدقة وسرعة، ومساعدة الأطباء في اتخاذ قرارات علاجية أفضل (Clinical Decision Support Systems). كما أن استخدام البيانات الضخمة (Big Data) سيسمح بتوقع انتشار الأمراض، ووضع خطط وقائية أكثر فاعلية. إدخال هذه الأدوات يحتاج إلى تدريب الكوادر المحلية، مع بناء بنية تحتية رقمية قوية.
كما أن الشراكة بين القطاعين العام والخاص (Public-Private Partnership) يمكن أن تكون رافعة حقيقية لتوسيع الخدمة وتحسين جودتها. يمكن للدولة أن تبرم اتفاقات تتيح للمستشفيات الخاصة استقبال حالات معينة ضمن مظلة التأمين الصحي، بما يضمن العدالة للمريض ويخفف الضغط عن المستشفيات الحكومية.
ولا يجب أن نغفل دور البحث العلمي والتعليم الطبي. الجامعات المصرية مطالبة بالتركيز على مشكلاتنا الصحية المحلية، كأمراض الكبد الوبائي أو أمراض القلب والشرايين المنتشرة في مصر. كذلك يجب توفير فرص (Clinical Training) للأطباء الشباب، سواء في مستشفيات كبرى داخل البلاد أو من خلال بعثات للخارج، حتى نضمن وجود جيل جديد قادر على مواكبة التطور العالمي.
وأخيراً القول إن تحسين الخدمة الطبية ليس مسألة بناء مستشفيات جديدة فقط، بل عملية متكاملة تشمل الإنسان، والتقنية، والإدارة. الصحة في جوهرها استثمار طويل الأمد في المواطن المصري، وإذا نجحنا في هذا الاستثمار فسوف نجني ثماره في كل المجالات الأخرى: الاقتصاد، والتعليم، والأمن الاجتماعي.
د. محمد ابراهيم بسيوني



إرسال التعليق