حرب الإستنزاف في غزة وتحوّلات المشروع الإسرائيلي

ترجمة وتحليل د. زياد الزبيدي
في مقاله المعنون «حرب الإستنزاف»، الذي نشرته صحيفة إزفيستيا الموسكوفية بتاريخ 24 أغسطس/آب 2025، يقدّم الباحث والمستشرق الروسي مراد صادق زاده (رئيس مركز الدراسات الشرق أوسطية وأستاذ زائر في المدرسة العليا للإقتصاد في موسكو) قراءة معمّقة في مآلات الحرب الجارية في غزة بعد مرور ما يقارب العامين على إندلاعها. ويرى الكاتب أن ما بدأ كعملية عسكرية خاطفة تحوّل إلى حرب إستنزاف طويلة، تتقاطع فيها الميادين العسكرية مع الإستراتيجيات السياسية والإستيطانية لإسرائيل، ما يهدد بتحويل القطاع إلى «فراغ إداري تحت السيطرة العسكرية» ويعيد رسم ملامح المشروع الإسرائيلي في الضفة الغربية والقدس.
أولاً: من «عملية تأديبية» إلى حرب إستنزاف طويلة
بعد مرور ما يقارب ثلاثة وعشرين شهرًا على إندلاع الحرب في السابع من أكتوبر 2023، تغيّر المشهد من حملة عسكرية إسرائيلية خاطفة إلى حرب إستنزاف مفتوحة. فبدلًا من تحقيق أهداف حاسمة وسريعة، دخلت إسرائيل في صراع طويل، تتسع فيه الجبهات، وتتعمّق الأزمة الإنسانية في غزة، فيما المفاوضات تراوح مكانها.
في مطلع أغسطس 2025 صرّح بنيامين نتنياهو لشبكة Fox News بأن إسرائيل ستسيطر على كامل قطاع غزة، مع وعد بـ«القضاء على حماس» وتسليم الإدارة لجهة فلسطينية غير حمساوية، مع تأكيده أن إسرائيل لن تحكم القطاع مباشرة. غير أن الخطوات الميدانية اللاحقة ـ بدءًا من خطة السيطرة على مدينة غزة، التي أقرها المجلس الوزاري الأمني، وصولًا إلى العمليات العسكرية في أحياء الزيتون والشجاعية وجباليا ـ تشير إلى مسار يختلف كثيرًا عن الشعارات المعلنة.
ثانياً: غزة بين الكارثة الإنسانية وإنسداد الأفق السياسي
منذ منتصف أغسطس بدأت العمليات الإسرائيلية تتخذ شكل «كماشة» حول مدينة غزة: قصف مركز على الأحياء الشرقية والشمالية، عمليات تمشيط في جباليا، وإستدعاء عشرات الآلاف من جنود الإحتياط. لكن البيئة الإنسانية المنهارة (مجاعة موثقة، بنية تحتية مدمرة، آلاف القتلى المدنيين) حوّلت أي حديث عن «الإستقرار» إلى ما يشبه «إدارة كارثة تحت السيطرة».
المعضلة الكبرى تكمن في غياب رؤية لليوم التالي: من سيدير القطاع بعد العمليات؟ وما هو الشكل الشرعي أو الدولي الذي يمكن أن يملأ «الفراغ»؟ إن غياب هذا التصور يهدد بتحويل غزة إلى فراغ إداري منضبط بالقوة العسكرية، حيث تتبخر الإنجازات العسكرية في غياب إطار سياسي ـ مؤسساتي.
ثالثاً: التوازي مع الضفة الغربية – مشروع الضم وتكريس «إسرائيل الكبرى»
لا يمكن فهم العمليات في غزة بمعزل عن الضفة الغربية. ففي 23 يوليو 2025 صوّت الكنيست على إعلان بسط السيادة الإسرائيلية على الضفة (يهودا والسامرة ووادي الأردن). وبعدها بأيام (20 أغسطس) تم تفعيل مشروع E1 الإستيطاني الذي يقضي ببناء أكثر من 3400 وحدة بين القدس الشرقية ومعاليه أدوميم. وقد وصفه وزير المالية بتسلئيل سموتريتش بأنه «دفن لفكرة الدولة الفلسطينية».
بهذا الشكل، تتحول «المعارك العسكرية في غزة» و«السياسة الاستيطانية في الضفة» إلى إستراتيجية موحدة تقوم على:
- فرض السيطرة الأمنية على غزة.
- تغيير الوقائع الديموغرافية والجغرافية في الضفة.
وقد عزز نتنياهو هذا التوجه في مقابلة مع i24News حين أكد إرتباطه العاطفي بفكرة «إسرائيل الكبرى». الأمر الذي أثار ردود فعل غاضبة في العواصم العربية والإسلامية، من بيانات أردنية حادة إلى إدانات جماعية في منظمة التعاون الإسلامي.
رابعاً: العملية العسكرية «عربة جدعون – 2» بين الواقع والمسمّى
رغم أن الحكومة الإسرائيلية لا تطلق عليها رسميًا إسم «إحتلال»، إلا أن عملية «عربة جدعون – 2» تحمل ملامح الإحتلال الواضح: دخول قوات مدرعة إلى قلب غزة (حي الصبرة)، قصف تمهيدي متواصل بالطيران والمدفعية، تعبئة واسعة للإحتياط تصل إلى 60 ألف جندي في سبتمبر وحده. هذا يعني أن الحرب لم تعد «غارة محدودة» بل حملة برية طويلة الأمد قد تستمر أشهراً.
خامساً: المسار الدبلوماسي – «خطة ويتكوف» ومحاولات التهدئة
في مقابل التصعيد العسكري، شهدنا تحركًا دبلوماسيًا في 18 أغسطس حين وافقت حماس على مقترح وسطاء من مصر وقطر يتضمن:
•هدنة 60 يومًا.
•إطلاق 10 رهائن أحياء، وتسليم رفات 18 آخرين.
مقابل إجراءات إسرائيلية بشأن الأسرى وتوسيع إدخال المساعدات.
لكن إسرائيل رفضت الخطة بصيغتها، مطالبة بصفقة شاملة تشمل جميع المحتجزين. وبدلاً من ذلك، أستُخدمت موافقة حماس كورقة ضغط لزيادة العمليات العسكرية، بهدف إما إرغام حماس على تنازلات إضافية، أو تبرير السيطرة الكاملة على غزة أمام الرأي العام الإسرائيلي.
سادساً: الإنقسام الداخلي الإسرائيلي وضغوط الخارج
الجيش الإسرائيلي نفسه ليس موحّد الرؤية: بعض قادة الأركان حذّروا من خسائر بشرية هائلة وخطر على الرهائن في حال إقتحام كامل للمدينة، مقترحين إستراتيجية «الحصار الطويل والتآكل التدريجي». لكن نتنياهو إختار الهجوم المباشر.
في الداخل، يتصاعد الضغط السياسي: زعيم المعارضة يائير لابيد صرّح بأن «إحتلال غزة من جديد فكرة سيئة جدًا»، فيما تزداد المظاهرات الشعبية المطالبة بصفقة رهائن. وعلى الصعيد الدولي، هناك حديث جدي عن إعتراف غربي بالدولة الفلسطينية في الدورة المقبلة للجمعية العامة للأمم المتحدة (سبتمبر 2025)، وهو ما يُفهم كرد مباشر على التصلب الإسرائيلي والمجازر في غزة.
سابعاً: بين مسارين – التهدئة أو الإنزلاق إلى حرب المدن
الواقع إذن يضع إسرائيل أمام مفترق طرق نادر:
•المسار الأول: الدخول في تسوية إنسانية ـ سياسية تشمل هدنة وتبادل أسرى وبناء إطار إداري بديل في غزة.
•المسار الثاني: المضي في حرب مدن قاسية، مكلفة بشريًا وعسكريًا، مع خطر تحوّل القطاع إلى مستنقع دموي طويل الأمد.
وكما يخلص صادق زاده، فإن ما يجري في حي الصبرة اليوم ليس سوى مقدمة لإختيار إستراتيجي: إما الإعتراف بأن الأمن لا يتحقق بالدبابات وحدها، بل بالمؤسسات السياسية، أو الغرق في حرب إستنزاف بلا نهاية. والمؤشرات الحالية ترجّح الخيار الثاني…
خاتمة
الحرب الدائرة منذ أكتوبر 2023 تحوّلت إلى حرب إستنزاف شاملة، يتقاطع فيها الميدان العسكري مع المشروع الإستيطاني ـ السياسي. إسرائيل تسعى لتغيير قواعد اللعبة عبر السيطرة على غزة وتكريس ضم الضفة، لكن غياب رؤية «اليوم التالي» يهدد بتحويل الإنتصارات العسكرية إلى أزمات سياسية مفتوحة. وفي المقابل، يلوح في الأفق خيار آخر يتمثل في المسار الدبلوماسي والإعتراف بالدولة الفلسطينية، وهو خيار يزداد قوة كلما طال أمد الحرب وإرتفعت كلفتها.



