قمة ألاسكا والشرق الأوسط
زياد الزبيدي
انعقدت في 15 أغسطس 2025 قمة روسية-أمريكية في مدينة أنكوراج (ألاسكا)، جمعت الرئيس الروسي فلاديمير بوتين والرئيس الأمريكي دونالد ترامب. ورغم أن جدول الأعمال ركّز أساساً على ملفات أوروبية وأوكرانية، إلا أن إنعكاساته على الشرق الأوسط لم تمر دون رصد وتحليل. فقد تحوّلت المنطقة في السنوات الأخيرة إلى ساحة إختبار غير مباشر للتوازن الروسي-الأمريكي، وبهذا جاءت قراءة المراقبين الإقليميين حافلة بالإشارات المتناقضة، بين من إعتبر اللقاء “إنتصارًا روسياً” ومن رآه “محض مناورة أمريكية”. هذه القمة ونتائجها كانت في صلب مقال للمستشرق والكاتب الروسي ليونيد تسوكانوف، الدكتور في العلوم السياسية، والمستشار في مركز الأبحاث السياسية، وعضو المجلس الروسي للشؤون الدولية، نشرته وكالة الأنباء الروسية REGNUM بتاريخ 16 أغسطس 2025.
أولاً: القمة وأجندة الشرق الأوسط
رغم أن التحضيرات كشفت عن نية الجانبين مناقشة ملفات حساسة مثل البرنامج النووي الإيراني، والحرب في غزة، والمسار السياسي السوري، إلا أن الجلسات العلنية لم تُظهر أي تطرق مباشر لهذه القضايا. إذ تركّزت النقاشات المعلنة على الحرب في أوكرانيا وإعادة إطلاق العلاقات الثنائية.
ويرى الباحثون أن غياب الشرق الأوسط عن صلب القمة يعكس تراجع أهميته في جدول التنافس الروسي-الأمريكي بعد سقوط نظام بشار الأسد أواخر 2024، حيث “توقفت واشنطن عن إعتبار دمشق نافذة للتوسع الروسي” مؤقتاً. كما أن ترامب، بخلاف أسلافه الديمقراطيين، لا يفضل الإنخراط العسكري المكلف، بل يحاول “نقل مسؤولية أمن الشرق الأوسط إلى الحلفاء المحليين”، الأمر الذي يجعل تكلفة المواجهة المباشرة مع موسكو في المنطقة غير ضرورية من منظور الجمهوريين.
ثانياً: المواقف الإقليمية – بين الإنتصار الروسي والريبة الأمريكية
1- تركيا: بين الطموح والخيبة
في الصحافة التركية، وُصف اللقاء بأنه “إستمرار وتطوير لمبادرات سابقة مثل مبادرة البحر الأسود”، مع التركيز على أن الشرق الأوسط تحول إلى “منصة للحوار الروسي الأمريكي حول أوكرانيا”.
لكن في الوقت ذاته، برزت خيبة أمل خفيفة لأن اللقاء الأول عُقد في ألاسكا وليس في أنقرة، التي رأت نفسها لوقت طويل “الرائدة غير الرسمية في سباق إستضافة القمة”. ومع ذلك، بدت أنقرة راضية عن دورها الحالي بوصفها “النافذة الإنسانية” في الأزمات، وتتطلع إلى توسيع هذا الدور لاحقاً.
2- إيران: “فوز لبوتين” مع تحذير من مكر وخطورة أمريكا
المشهد الإيراني كان أكثر تناقضاً. فقد رأت شخصيات عامة ومدونون بارزون أن “بوتين كان أكثر ثقة ونقل مواقفه لترامب دون تنازلات”، معتبرين ذلك “فوزاً في الجولة الأولى”.
تلتقي هذه القراءة مع تقييمات عربية بارزة مثل قناة الجزيرة، التي وصفت القمة بأنها “انتصار روسي”.
لكن في المقابل، حذّر المحافظون الإيرانيون من الوثوق بالولايات المتحدة، مستحضرين تجربة قمة جنيف 2021 بين بوتين وبايدن، التي إنتهت إلى “تعميق الصدام بدلاً من التهدئة”. وزاد من الشكوك أن ترامب أمر، قبيل القمة، بنقل قاذفات B-2 إلى قاعدة قرب أنكوراج، وهو ما أعتُبر “عرض قوة ونذيراً بإمكانية تكرار سيناريو قاسٍ ضد حلفاء موسكو، حتى مع تدخلها للدفاع عنهم”.
3- الخليج العربي: الحذر وإعادة نشر المواقف الأمريكية
أما في السعودية والإمارات، فقد إكتفت الصحف بإعادة نشر تقييمات الصحافة الأمريكية “من دون تحليل معمق”، وهو ما عكس موقفاً محايداً متضامناً مع الرواية الرسمية للبيت الأبيض.
الأمر نفسه ينطبق على إسرائيل، التي منحت تغطية مقتضبة وجافة للقمة، ما يوحي بأنها لا ترى فيها تحوّلاً جوهرياً لموازين القوى في المنطقة.
ثالثاً: الإشارات الاقتصادية والطاقوية
من بين أهم المكاسب المباشرة للشرق الأوسط كانت القرارات الإقتصادية. فقد أُعلن أن ترامب “رفض فرض عقوبات على روسنفت ولوك أويل”، رغم التسريبات المسبقة التي رجّحت ذلك. وبالنسبة لدول الخليج والدول المستوردة للطاقة، فإن هذا يعني “إمكانية مواصلة التعاون مع عمالقة النفط الروس دون خطر العقوبات الأمريكية”.
كذلك أستُبعد ملف “صيد أسطول الظل” الروسي من الشرق الأوسط، وهو المشروع الذي هدّد به الجمهوريون سابقاً. هذه التهدئة المؤقتة طمأنت شركاء موسكو الإقليميين وأبقت باب التعاون الإقتصادي مفتوحاً.
رابعاً: ما وراء الرسائل – طمأنة محدودة أم توازن هش؟
رغم أن ترامب أرسل رسالة ردعية عبر “عرض القصف الإستعراضي” بنقل القاذفات، إلا أن اللافت أنه لم يوجه تهديداً علنياً لشركاء موسكو في الشرق الأوسط. ويشير محللون إلى أن هذا “تلميح بأن المنطقة لن تكون ساحة صراع مباشر في المستقبل القريب”.
هذه الإشارة طمأنت إيران بالدرجة الأولى، التي تعيش منذ يونيو 2025 قلقاً متواصلاً بعد إنتهاك واشنطن لإنذارها الخاص بملفها النووي. غير أن طهران، وأنقرة، والرياض، وتل أبيب، كلها تنتظر لترى إن كان هذا التوازن سيستمر بعد الزيارة المرتقبة لترامب إلى موسكو.
الخاتمة
يمكن القول إن قمة أنكوراج لم تُنتج إختراقات مباشرة في ملفات الشرق الأوسط، لكنها أرسلت إشارات ذات مغزى:
•روسيا خرجت من اللقاء بصورة “الطرف الواثق”، وفق تقييمات إيرانية وعربية.
•واشنطن ركزت على أوكرانيا وأوروبا، مكتفية بإدارة إقليمية غير مباشرة عبر الحلفاء.
•القوى الإقليمية تفاوتت مواقفها بين الطموح التركي، الريبة الإيرانية، الحذر الخليجي، والتحفظ الإسرائيلي.
وبهذا فإن رسائل بوتين وترامب إلى الشرق الأوسط تظل محدودة لكنها مهمة: تخفيف مؤقت لحدة الخطاب الأمريكي، إستمرار قنوات التفاوض، وتأكيد أن المنطقة ليست على رأس أولويات الصدام المباشر بين واشنطن وموسكو.



إرسال التعليق