قراءة في عملية -جدعون٢

بديعة النعيمي
كاتبة وروائية وباحثة

أُطلقت دولة الاحتلال مؤخرا عملية “عربات جدعون٢” في ظل غياب واضح لأي أهداف استراتيجية معلنة، ما سيجعلها امتدادا مباشرا لفشل “عربات جدعون ١”.
ورغم أن الاحتلال روج لهذه العملية على أنها مرحلة حاسمة للسيطرة على ما تبقى من مدينة غزة، فإن ما يحدث مع الجيش في الميدان، يكشف هشاشة الفرضيات التي تستند إليها مغامرة “جدعون ٢”.

وتأتي هذه العملية، بعد شهور من فشل الاحتلال في إخضاع غزة رغم ما وصفه بسيطرته على ٧٥% من أراضيها، وهو رقم اتضح زيفه، حين واصلت المقاومة الفلسطينية إطلاق الصواريخ من مناطق يفترض أنها أصبحت تحت “السيطرة الكاملة” لجيش الاحتلال. وبينما دفع هذا الجيش بعشرات الآلاف من جنوده إلى الميدان، وتحديدا إلى أحياء مثل حي الزيتون، لم تظهر مؤشرات حقيقية على تحقيق إنجاز نوعي، بل على العكس تماما، فقد ازداد الضغط الداخلي في دولة الاحتلال بفعل تآكل ثقة الشارع اليهودي بالقيادة السياسية والعسكرية على حد سواء.

واللافت أن توقيت إطلاق هذه العملية جاء متزامنا مع مبادرات دولية جديدة لوقف الحرب وإعادة مقترح “ويتكوف” إلى الواجهة، الأمر الذي فسرته المقاومة الفلسطينية، وتحديدا حركة حماس، على أنه استخفاف واضح بالوسطاء، وسعي صهيوني للهرب إلى الأمام بعد فشل الخيارات الدبلوماسية والقتالية السابقة.

وقد وصفت حركة حماس “عربات جدعون ٢” بأنها تكرار أعمى لتجربة بائسة لن تفضي إلا إلى مزيد من الخسائر والارتباك، وهو توصيف يتوافق مع ما أورده العديد من المحللين العسكريين في دولة الاحتلال أنفسهم، الذين حذروا من أن العملية تفتقر إلى أي رؤية واضحة، وقد تمتد إلى عام ٢٠٢٦ دون نتائج ملموسة.

وتجدر الإشارة إلى أن “عربات جدعون ١” لم تحقق أيا من أهدافها، وبدلا من ذلك فقد كشفت عن خلل تنظيمي عميق داخل جيش الاحتلال، خصوصا على مستوى التنسيق بين الأذرع القتالية والاستخباراتية، إضافة إلى فضائح تتعلق بعمليات قتل متعمد لمدنيين عزل، وتباينات حادة في قراءة الميدان، ما دفع قادة بارزين، بمن فيهم مسؤولون في سلاح الجو، إلى وصف تلك الحملة بالفاشلة والمرتجلة.

وقد استثمرت المقاومة الفلسطينية هذه التصدعات لتوجيه ضربات نوعية، كما حدث في خان يونس قبل يومين من كتابة هذا المقال، فقد تمكن مجاهدو القسام من الإغارة على موقع مستحدث للعدو جنوب شرق مدينة خانيونس جنوب القطاع بقوة قوامها فصيل مشاة، واقتحموا الموقع واستهدفوا عددا من دبابات الحراسة من نوع “ميركفاه ٤” بعدد من عبوات الشواظ وعبوات العمل الفدائي وقذائف الياسين١٠٥. كما استهدفوا عددا من المنازل التي يتحصن بداخلها جنود الاحتلال لتثبيتها ب ٦ قذائف مضادة للتحصينات والأفراد ونيران الأسلحة الرشاشة، واقتحم عدد من المجاهدين المنازل وأجهزوا بداخلها على عدد من جنود الاحتلال من المسافة صفر بالأسلحة الخفيفة والقنابل اليدوية. وتمكنوا أيضا من قنص قائد دبابة “ميركفاه ٤” وإصابته إصابة قاتلة، ودك المواقع المحيطة لمكان العملية بعدد من قذائف الهاون لقطع النجدات، كما وتم دك موقع العملية بعدد من قذائف الهاون لتأمين انسحاب المجاهدين من المكان. وفور وصول قوة الإنقاذ قام أحد الاستشهاديين بتفجير نفسه في الجنود وأوقعهم بين قتيل وجريح، واستمر الهجوم لعدة ساعات، في عملية وثقت هشاشة التحصينات الأرضية التي يعتمد عليها الجيش الصهيوني.

هذا الواقع يطرح تساؤلات عديدة حول مدى قدرة الاحتلال على خوض معركة استنزاف جديدة، في ظل بيئة مدنية مدمرة في غزة، وخصم يملك الخبرة والمبادرة رغم الفارق الهائل في العدد والعدة.

كل هذا يحدث والائتلاف الحاكم بقيادة “نتن ياهو” يعيش حالة من التخبط العلني، مع تآكل الدعم الشعبي واحتدام الصراع مع المؤسسة العسكرية، التي بدأت تعبر عن استيائها علنا من استمرار الحرب دون هدف واضح.

ومن هنا، فإن “عربات جدعون ٢” لا تبدو إلا محاولة للهروب من فشل سابق، أملا في تحقيق نتائج مختلفة. غير أن الوقائع الميدانية، وصمود المقاومة وشراستها، والانقسام الداخلي في دولة الاحتلال، والانهيار الأخلاقي المتواصل للجيش، جميعها تؤكد أن مصير هذه العملية لن يختلف عن سابقتها.
فقد يحقق الاحتلال بعض التقدم المؤقت على الأرض، لكنه لن يكون أكثر من تكرار فاشل لما سبق، ولن تنجح في إنهاء وجود المقاومة أو فرض أمر واقع جديد، بل ستزيد من كلفة الاحتلال سياسيا وعسكريا.
وبهذا فإني أرى أن ما تسمى “عربات جدعون٢” تسير كسابقتها “جدعون١” نحو هاوية فشلها، إن لم يكن بشكل أقسى وأعمق أثرا.

إرسال التعليق

اخبار قد تهمك