قراءة في مأزق نتنياهو

قراءة في مأزق نتنياهو

زياد الزبيدي

مقدمة

يثير المقال الذي كتبه الكاتب الصحفي والمحلل السياسي والباحث يفغيني فيودوروف ونشر في بوابة Military Review بتاريخ 18 أغسطس 2025 مسألة حاسمة تدور حول الخيار الذي تواجهه إسرائيل في قطاع غزة بعد ما يقرب من عامين من الحرب المستمرة. يتساءل الكاتب عمّا إذا كان نتنياهو سيختار «الإبادة الجماعية» كخيار غير معلن، أو سيتجه إلى إحتلال مكتمل الأركان للقطاع، بما يحمله ذلك من تبعات داخلية وخارجية. ويشير الكاتب إلى أن تصريح نتنياهو الأخير: “ليس أمام إسرائيل خيار آخر”، يعكس وصول المؤسسة الإسرائيلية إلى طريق مسدود، حيث لا إنتصار عسكري حاسم ولا إمكانية لأي حل سياسي مقبول من طرف إسرائيل.

أولاً: الإرث التاريخي للإحتلال الإسرائيلي لغزة

شهد قطاع غزة سلسلة من الغزوات الإسرائيلية منذ العام 1956، حين دخلت القوات الإسرائيلية المنطقة لفترة قصيرة خلال العدوان الثلاثي. وتكرر الإحتلال المباشر في عام 1967 وإستمر حتى عام 1993. وبعد إنسحاب قوات الإحتلال في عام 2005، أبقت إسرائيل على حصارٍ مشدد، ما دفع منظمات حقوقية إلى القول بأن الإحتلال لم يتوقف فعلياً. ومنذ عام 2023، عادت إسرائيل لتوسّع وجودها العسكري المباشر بإقامة منطقة عازلة وتدمير قرى ومزارع قرب الحدود.

ثانياً: معضلة نتنياهو – غياب الإنتصار العسكري وفشل الردع

يشير الكاتب إلى أن الجيش الإسرائيلي عاجز عن تحقيق نصر حاسم ضد مقاتلي حماس. وعلى الرغم من عمليات “تصفية القادة الميدانيين”، فإن مسار الحرب لم يتغير. ويصف الكاتب الوضع بأن الجيش الإسرائيلي “مضطر لمحاربة مقاتلين غير نظاميين”. في هذا السياق، يتحوّل الإحتلال الكامل إلى خيار مطروح داخل المؤسسة الحاكمة، لكن تكلفته الداخلية تُثير الرعب حتى بين الإسرائيليين أنفسهم، ما يفسر تصاعد الإحتجاجات ضد سياسات نتنياهو.

ثالثاً: الرهائن والضغط الداخلي الإسرائيلي

لا تزال قضية الرهائن تشكّل ورقة ضغط قوية على الحكومة الإسرائيلية. فوجود نحو خمسين رهينة لدى حماس منذ أواخر 2023 يجعل أي عملية عسكرية واسعة محفوفة بمخاطر كارثية. كما أن إحتلال غزة بالكامل سيؤدي إلى زيادة “الخسائر المدمرة بين الجنود والمدنيين”، على حد وصف بعض الأصوات داخل إسرائيل، ما يضاعف السخط الشعبي والضغط الداخلي على نتنياهو.

رابعاً: من الإبادة الجماعية إلى الإحتلال – صراع الخيارات الدموية

يرى فيودوروف أن الإستمرار في القصف والحصار دون إحتلال كامل يدفع الوضع نحو “إبادة جماعية صريحة”. وفي المقابل، فإن الإحتلال الكامل سيؤدي إلى مقتل “عشرات الآلاف من المدنيين” وتصعيد غير مسبوق في العداء العالمي لإسرائيل. بكلمات أخرى، يقف نتنياهو أمام خيارين كلاهما دموي: إبادة بطيئة أو إحتلال إستنزافي طويل الأمد.

خامساً: المواقف الدولية وحدود الدعم الأمريكي

بدأت بعض الدول الغربية، مثل بريطانيا وألمانيا، بإظهار تململ واضح. فقد لوّحت لندن بفرض عقوبات، فيما علقت برلين تسليم بعض الأسلحة والمكونات العسكرية. أما الولايات المتحدة فتبدي دعمًا أقل إتساعًا من ذي قبل، حيث أصبحت حسابات الإنتخابات وصورة المرشح الجمهوري دونالد ترامب – الطامح لجائزة نوبل للسلام – تفرض قيوداً على الدعم المطلق لإسرائيل. وبالتالي، لم يعد بإمكان نتنياهو الإعتماد على شيك سياسي مفتوح من واشنطن.

سادساً: شروط نتنياهو الخمسة – إحتلال بصياغة مموّهة

طرح نتنياهو خمس نقاط يُفترض أن تُنهي الحرب، من بينها: “نزع سلاح حماس بالكامل”، “السيطرة الإسرائيلية على الأمن في القطاع”، و”إنشاء إدارة مدنية بديلة”. بحسب الكاتب، ليست هذه الشروط سوى إعادة صياغة لمفهوم الإحتلال، لكنها مصاغة بلغة سياسية ملطّفة لتجنب كلمة “إحتلال”. لكنه يشير بوضوح إلى أن تنفيذ هذه النقاط يستلزم بقاء القوات الإسرائيلية في غزة وإقامة سلطة محلية عميلة، ما يعني عمليًا العودة إلى منظومة الحكم العسكري المباشر.

سابعاً: الأساس التوراتي لفكرة الإحتلال والإبادة

يعيد الكاتب جذور هذه السياسة إلى خلفية دينية – أيديولوجية موجودة في نصوص التوراة والتلمود. ففي سفر يشوع، يتم تصوير إحتلال أرض كنعان كواجب إلهي، مقرون بأوامر “إستئصال” الشعوب المقيمة. كما تُبرر بعض فتاوى التلمود معاملة غير اليهود بإعتبارهم أغيار يمكن تجاهل حرمة دمائهم. ويتجلى ذلك في تصريحات متطرفة واضحة مثل ما قاله الحاخام مئير كهانا: “العرب في أرض إسرائيل إما أن يُطردوا أو يُبادوا.”

كما أن فكرة “إسرائيل الكبرى” – الممتدة من النيل إلى الفرات – لم تعد مجرد شعار ديني، بل تحولت إلى مشروع سياسي موجود ضمن أدبيات حزبية مثل الليكود منذ أواخر السبعينيات. ينظر كثير من المراقبين إلى الحرب الحالية بإعتبارها جزءاً من تنفيذ تلك الرؤية، وليس مجرد رد فعل أمني على خطر حماس.

خاتمة

أصبح نتنياهو أسيرًا لمعادلة صفرية: فإما أن يواصل حرب الإستنزاف مع ما تسببه من إبادة منهجية للفلسطينيين، أو يدخل القطاع في إحتلال دموي يُشعل المقاومة ويستنزف الدولة من الداخل. وفي كلتا الحالتين، يدفع المدنيون الفلسطينيون الثمن الأكبر. أما الخطاب الذي يروّج له رئيس الوزراء تحت شعار “ليس أمام إسرائيل خيار آخر” فهو في الحقيقة تعبير عن فشل سياسي وإستراتيجي تاريخي، حيث لم تُقدم إسرائيل طوال عقود بديلاً سياسياً عادلاً يمكن أن يوقف دورة الدم.

بذلك، يبدو أن مستقبل غزة ما يزال رهينة لمنطق القوة، وسط غياب كامل لأي تسوية حقيقية، وإستمرار إستعمال الدين والتاريخ لتبرير الهيمنة. وبين خيار الإبادة وخيار الإحتلال، يتضح أن نتنياهو إختار الطريق الذي يجمع بينهما معاً.

إرسال التعليق

اخبار قد تهمك