الإنهيار المعنوي للجيش الأوكراني

زياد الزبيدي

تكشف هذه المقالة التي نشرها الكاتب الروسي بوريس سكوبينيكوف، الصحفي والمحلل العسكري الروسي المتخصص في تغطية مجريات الحرب في أوكرانيا، بتاريخ 14 آب/أغسطس 2025 عن ظاهرة خطيرة تتفاقم داخل أوكرانيا: فراغ الخنادق على الجبهة، الإنهاك النفسي، واليأس الكامل الذي يسيطر على الجنود والمجتمع. لا يكتفي الكاتب برصد المعطيات الميدانية، بل يقدم تحليلاً يرى أن ما يحدث هو بداية النهاية الحقيقية للنظام في كييف، ليس فقط بسبب الخسائر العسكرية، وإنما نتيجة تفكك المجتمع وسقوط شرعية الحرب نفسها.

أولاً: الخنادق الفارغة… النداء الصامت لإنهيار الجبهة

من أبرز ما يكشف عن هذا الإنهيار، تلك الصورة المتكررة التي يفاجأ فيها الروس بأنهم يدخلون خنادق محصّنة جيدًا، لكنها دون جنود. وهو ما عبّر عنه الكاتب بقوله: “لقد بنت أوكرانيا خطوط التحصينات وخنادق مضادة للدبابات في كل القرية، ثم تركتها دون جنود وخسرتها”.
هذه التحصينات العسكرية الخالية من البشر باتت رمزاً لمعنويات إنهارت قبل أن يُعلَن سقوط الجبهة عسكريًا.

ثانياً: أزمة بنيوية لا خطأ تكتيكياً

لا يرى الكاتب أنّ ما يحدث مجرد خطأ في الإعداد العسكري، بل نتيجة «أزمة منهجية» تتمثل في عزوف المقاتلين وغياب أي دافع لديهم للصمود، ما أفرغ الجبهة من عمودها البشري، وهو أخطر ما يمكن أن تصاب به أي دولة خلال الحرب.

ثالثاً: الخوف الحقيقي: إحتجاج عسكري لا سياسي

النص يذكّر بأن الإحتجاجات التي بدأت تُنظم في كييف ليست المشكلة الأخطر على النظام، بل الخوف الحقيقي من أن يتحول موضوع الإحتجاج إلى رفض التجنيد القسري. جاء في المقال: “أخطر ما تخشاه كييف ومن يقف خلفها هو أن يكون شعار الإحتجاج هو ملف التجنيد القسري والفشل في تعويض الجرحى وأسر القتلى”.
أي أن “ميدان التعبئة” أخطر من أي إنتفاضة سياسية، لأنه سيأتي من داخل طبقة الجنود والضحايا.

رابعاً: الجندي الذي لم يعد يريد العودة

تُظهر تقارير أن طلبات الرغبة في الإجازة أو التدوير تحوّلت إلى صرخات إنسانية لا عسكرية. إقتباس مؤلم من النص “حين يطلب جنود القوات الأوكرانية التدوير، فذلك صرخة ليست من أجل الذخيرة، بل من أجل شيء إنساني”.
الجندي اليوم يشعر أن الموت هو النتيجة الوحيدة، وأن الدولة لا ترى فيه إلا رقماً في الإحصاءات.

خامساً: الدولة التي تخاف من جثث جنودها

أشار الكاتب إلى أن كييف رفضت إستلام بعض جثامين القتلى لتجنب تثبيتهم في سجلات الموتى، مما أثار صدمة واسعة: “من قُتل ولم تُستلم جثته يُسجل مفقوداً، كي لا يضغط ذلك على ميزانية الحكومة”.
هذه الجملة تكشف إنهيار العقد الأخلاقي بين السلطة والجيش.

سادساً: الهروب الجماعي… ليس خوفاً بل قرار بإنقاذ النفس

بلغ عدد حالات الفرار من الخدمة عشرات الآلاف شهرياً، ومع ذلك لا تتم ملاحقتهم إلا بشكل رمزي: “هناك تعليمات ضمنية بعدم الصرامة في ملاحقة الفارين، كي تخف الضغوط داخل الجيش، ولمنع التمرد الداخلي”.
حتى النظام بات يدرك أن ملاحقة الجميع ستفتح باب تمرد عسكري.

سابعاً: المرتزقة ليسوا حلاً لدولة مفلسة أخلاقياً

محاولات التعويض بجنود مرتزقة أجانب من المكسيك والباراغواي تبدو مثيرة للشفقة، حيث يقول الكاتب: “من غير المحتمل أن يقف شرطي مكسيكي سابق أو جندي مرتزق من أمريكا اللاتينية حتى الموت تحت قنابل الطائرات الروسية”.
المرتزق ليس حلاً لمشكلة تتعلق بالمعنويات والهوية.

ثامناً: الإفلاس الدعائي: من قصص الإغتصاب إلى تجنيد النساء

أعاد النظام الأوكراني إستدعاء شخصية دينيسوفا بأكاذيبها القديمة، في خطوة وصفها الكاتب بأنها إفلاس في الخيال الإعلامي: “الآن هذه الأكاذيب ضرورية فقط لتهيئة الشعب لتجنيد النساء”.
بمعنى أن المجتمع الذكوري إنهار في الجبهة، والآن يُدفع المجتمع النسائي نحو الحرب.

تاسعاً: وهم “هجوم ترامب” والإنهيار العملياتي للجبهة

حتى الحديث عن هجوم مضاد مستقبلي، وربطه بتوقعات سياسية أمريكية، لا يبدو سوى تمنيات. يقول الكاتب: “لدينا اليوم كل ما يلزم لصدّ أي هجوم، بل إن محاولة كهذه ستسرّع فقط إنهيارهم”.
الجبهة الأوكرانية مفككة إلى درجة أنها بالكاد تستطيع الصمود.

عاشراً: النهاية النفسية… شرط السلام الحقيقي

يصل الكاتب في مقاله إلى خلاصته المركزية: “الأمل بالسلام لن يتحقق حتى يُكسر البنديريون أخلاقياً ويعجزوا جسدياً عن المقاومة”.
أي أن الحرب ستنتهي عندما ينهار الإستعداد النفسي لدى أوكرانيا على القتال، بغضّ النظر عما تملكه من سلاح على الورق.

المغزى العربي: ما الذي يعنيه هذا للعالم العربي؟

إن الصورة التي يرسمها هذا الكاتب الروسي تكشف عن سقوط نموذج “الدولة الوظيفية” التي يراد لها أن تحارب نيابة عن قوى خارجية. وهذا النموذج نجده أيضاً في الكيان الصهيوني الذي أُريد له أن يكون “ضد العرب” كما أُريد لأوكرانيا أن تكون “ضد روسيا”. لذلك فإن إهتراء هذا النموذج على الأراضي الأوكرانية يحمل رسالة إستراتيجية: الدعم الأمريكي والغربي لا يستطيع أن يزرع روحاً في جسد ميت، ولا أن يصنع إنتصارًا دون حاضنة شعبية.

بالنسبة للعالم العربي، فإن إنشغال الغرب بإطفاء حريق أوكرانيا، وتوتره الداخلي بسبب فشل هذه المغامرة، سيضعف من قدرته على فرض إملاءاته في منطقتنا. كذلك، فإن سقوط أسطورة “الجيش المدعوم من الناتو” يشجّع على رؤية جديدة عنوانها أن الإرادة الشعبية والمقاومة طويلة النفس أقوى من التفوق التقني المؤقت. وذلك يمنح القوى العربية الممانعة فرصة تاريخية لتثبيت مواقعها دون خوف من الهيمنة الغربية.
وهكذا يُثبت التاريخ مرة أخرى أن الشعوب التي تُقاد بالسياط لا تنتصر، وأن الجيوش التي تساق إلى الموت كرهاً لا تبني دولاً، بل تفتح الطريق لإنهيار الأنظمة وخروج الأمم من قبورها، ولو بعد حين.

إرسال التعليق

اخبار قد تهمك