الذكاء الاصطناعي ومستقبل التعليم والتعلم

رحيم حمادي غضبان
الذكاء الاصطناعي هو منجز بشري عظيم، يعكس تطور القدرات العقلية والفكرية لدى الإنسان. لقد أصبحت هذه التكنولوجيا المتقدمة جزءًا لا يتجزأ من حياتنا اليومية، وساهمت في تحقيق قفزات نوعية في مجالات متعددة، من الرعاية الصحية إلى التعليم، ومن الصناعة إلى الفنون. ومع أن الإنسان هو من ابتكر وطوّر الذكاء الاصطناعي، إلا أن التساؤل الجوهري الذي يُطرح اليوم هو: هل سيساهم هذا التطور في تعزيز قدرة البشر على التفكير والإبداع؟ أم أنه سيفقد الكثيرين تلك القدرات لصالح الاعتماد على الآلة؟
الإجابة ليست بسيطة، إذ أن الذكاء الاصطناعي يحمل في طياته فرصًا عظيمة كما ينطوي على تحديات حقيقية. فمن جهة، يساعد الذكاء الاصطناعي في إنجاز المهام المتكررة والمعقدة بسرعة ودقة، مما يتيح للإنسان التفرغ للتفكير والإبداع، كما يمكّن المؤسسات من اتخاذ قرارات أفضل من خلال التحليل الدقيق للبيانات. وفي التعليم، بات من الممكن تخصيص المحتوى التعليمي ليتلاءم مع قدرات واحتياجات كل طالب، ما يعزز من فرص التعلم الفعّال.
لكن من جهة أخرى، فإن الاعتماد الزائد على الذكاء الاصطناعي قد يؤدي إلى تراجع المهارات العقلية لدى الإنسان، خاصة في الأجيال الناشئة. ومع توفر المعلومات والإجابات الجاهزة بضغطة زر، يقل دافع البحث والتفكير والتأمل. كما أن بعض الوظائف التقليدية أصبحت مهددة بالاختفاء أو التحول، مما يتطلب إعادة تأهيل العاملين وتطوير مهارات جديدة تتماشى مع متطلبات العصر. كذلك، فإن عدم توفر هذه التقنيات بشكل عادل للجميع قد يؤدي إلى تعميق الفجوة الرقمية بين فئات المجتمع.
وعلى مستوى أعمق، فإن مستقبل الإنسان لا يكمن في استبدال ذكائه بالذكاء الاصطناعي، بل في التكامل بين الاثنين. فالإبداع، والخيال، والوعي، والحدس، لا تزال قدرات بشرية يصعب محاكاتها أو استنساخها آليًا. وبذلك، يمكن القول إن الذكاء الاصطناعي هو أداة تمكين لمن يحسن استخدامها، وتهديد لمن يركن إليها دون وعي أو تطوير.
أما بالنسبة لمستقبل التعلم والتعليم، فمن غير المرجح أن ينتهي دور المدارس والجامعات، ولكن من المؤكد أن شكلها ووظيفتها سيتغيران. لن يكون دور المعلم مجرد ناقل للمعلومة، بل سيتحول إلى مرشد وموجّه، يساعد الطلبة على اكتساب مهارات التفكير النقدي، والابتكار، والعمل الجماعي. وستصبح المناهج أكثر تفاعلية، مدعومة بالذكاء الاصطناعي، مما يسمح بتجارب تعليمية شخصية أكثر فعالية.
في النهاية، يبقى مستقبل البشرية مرهونًا بقدرتها على التكيّف مع هذه التحولات، وعلى الحفاظ على جوهر الإنسان: عقله، روحه، وقدرته الدائمة على التعلم والتطور. الذكاء الاصطناعي ليس بديلاً عن الإنسان، بل هو امتداد لذكائه، وطالما بقي الإنسان يقوده بوعي ومسؤولية، فسيظل سيد هذا العصر، لا عبده.



