الفراغ القاتل!

*
م. فوزي
*
ليس هناك أخطر من الفراغ على النفس البشرية، هذه الآفة التي مهما حاولنا فلن نقدر على لجمها و تحجيمها.؛ إنّها ككتلة رمال متحرّكة تبتلع كل من يحاول مقاومتها. سرطان فكري ومعنوي لايرحم. ويكفي أنّها وراء بعض من الأمراض النفسيّة مثل القلق والكآبة، والكثير من الجرائم.
الفراغ يولّد الكآبة، هذا على الصعيد الفردي. أمّا على الصّعيد الاجتماعي، فالفراغ قد يؤدّي إلى الانحرافات بمختلف أشكالها ومعانيها، بما في ذلك الأخلاقي. وإذا غابت الأخلاق في مجتمع ما فكبّر ثلاثا وترحّم عليه. وماذا بعد الانحراف الخلقي سوى الظلال؟
لقد فكّرنا في تشييد العمارات في مدينتي الصّغيرة نسبيّا؛ مقارنة بغيرها من المدن الكبيرة التي تضمّ جامعات ومسارح ومراكز فكرية وملاعب لمختلف الرياضات ومرافق عديدة.. بنيّة إعمارها و للقضاء على أزمة السكن، حتى أن العزّاب والأرامل تم إسكانهم، ومن بينهم غرباء ليسوا من مداوروش، ومع ذلك حصلوا على سكن، ولكن هذا لا يهمّ مادام هؤلاء جزائريين.
كبرت مدينتي الصغيرة وأخذ حجمها يتمدّد حتى صرنا نفتخر بها، ولكن هل أمعنّا قليلا في هذا التمدّد للإسمنت المسلّح الذي يلتهم المساحات الخضراء؟
والأخطر من ذلك؛ هل فكّرنا في مستقبل الأجيال في ظلّ هذا التكاثر وتزايد العمارات التي لا تجد ما يقابلها من تشييد المصانع والمرافق الضّرورية لتوظيف وتشغيل العشرات؟ سؤال كان من المفروض طرحه قبل تنفيذ المخطّطات ونفاد الأراضي الصالحة للبناء والتعمير، ونفاد جميع الامكانيات معها.
لقد تولّد عن هذه الذهنيّة الهشّة فراغ مهول وقاتل، وأدّى ذلك إلى اكتظاظ المقاهي بالمواطنين من مختلف الأعمار، ولم يجد النّاس أماكن يأووا إليها غير الجلوس في المقاهي لتمضية الأوقات الطويلة، بعدما صارت حياتهم كلها فراغا في فراغ. وصار اجترار الكلام فضيلة وعملة يتداولونها بشكل يومي و في كل حين.
في الحقيقة المتسبّب الوحيد في هذه الظاهرة هي الدولة وأجهزتها. وكان من المفروض أن توفّر لهؤلاء المواطنين مرافق ومراكز يأوي إليها المواطنين؛ بمختلف أعمارهم وتوجّهاتهم. ولكن الدولة حرصت على بناء آلاف السكنات الجديدة؛ التي لا تسكن لظروف وأغراض عديدة، منها الفقر خاصة، ويتم بيعها فيما بعد من طرف المستفيدين. لم تحرص على بناء مرافق أخرى لاحتواء هؤلاء السكّان الجدد. لتغدو الأحياء الجيدة عبارة عن مراقد لا أكثر.
كان من المفروض أن تحرص أجهزة الدولة ومؤسّساتها المكلّفة بتنفيذ المخططات التنموية على إيجاد توازن في كل المجالات التنمويّة، واحترام جميع المقاييس الواردة في دفاتر الشروط، التي تشترط بناء وتشييد مرافق؛ اجتماعية و ثقافية ودينية في كل تجمع سكني؛ من مرافق ضرورية: مثل المدرسة.. والمساحات الخضراء للعب والاستجمام.. ودور ثقافية.. ومراكز لتنشيط الحياة اليومية.
والحقيقة الأخرى التي لا يمكن تجاهلها هو أن الدولة غائبة ولم يعد لها مكان في حياة المواطنين، و لظروف وأسباب عديدة؛ سياسية وأخرى اقتصادية، أصبحت تتعمّد أساليب لا أخلاقية في تعاملها مع المواطنين، باعتباره جملة من الغرائز. حتى صار المواطن لا يهمّه سوى الجانب الماديّ والغريزي المحض.
وصار جل اهتمام المواطن وتفكيره يكادا ينحصران في كيفية توفير بعض المواد الأساسية مثل البطاطا والحليب… وقد تسبّب مثل هذا في اليأس والإحباط، وتولّد عنه تذمّر شعبيّ كبير، وأدّى ببعض المعوزين إلى فقدان صوابهم، وهو مؤشّر خطير يمس بأمن الدولة واستقرارها بالدرجة الأولى.
لقد أدّى إغافل أو تغافل مثل هذه الأمور إلى انتشار المخدّرات وتعاطيها بصورة خطيرة. وتسبّب هذا التعاطي المفرط والانتشار الرّهيب للمخدّرات والأدوية المهلوسة إلى تفشي الجرائم والاعتداءات.

إرسال التعليق