روسيا والمأساة السورية الممتدة

ضيا اسكندر
كاتب

حين تشتدّ الأزمات، يُختبر الحلفاء. وحين تتقاطع المصالح الكبرى، يُفرَز الصادق من المتواطئ، ويظهر من اختار الصمت المريب على حساب المبدأ.
وفي الملف السوري، جاءت الخيبة من جهة كان يُفترض بها أن تكون سنداً وداعماً، هي روسيا.
لم تكن روسيا طرفاً عادياً في الحرب السورية، بل كانت واحدة من أكثر القوى تأثيراً في مسارها ومصيرها. تدخلت بثقل عسكري وسياسي هائل، وامتلكت من الأدوات ما يكفي لقلب المعادلة أو تعديلها، لإنهاء معاناة السوريين، سواء عبر فرض حلّ سياسي عادل أو عبر تغيير المشهد السلطوي جذرياً.
ومع أن موسكو لم تكن وحدها على رقعة الشطرنج السورية، فقد شاركتها كلٌّ من إيران وتركيا وإسرائيل والولايات المتحدة، بالإضافة إلى عدد من الدول العربية النافذة، إلا أن الثقل العسكري والسياسي الروسي كان يُفترض أن يُنتج أثراً نوعياً، لا أن ينزلق إلى موقع المتفرّج أو “الضامن الصامت”.
فما الذي حدث، ولماذا بدا الحليف الروسي وكأنه تخلّى عن دوره في اللحظة الحاسمة؟
تدخلت روسيا بشكل مباشر في سوريا في أيلول 2015، معلنة أن هدفها هو “محاربة الإرهاب”، لكن الواقع الميداني أثبت سريعاً أن أولى أولوياتها كانت حماية النظام السوري من الانهيار، خاصة بعد أن كانت المعارضة المسلحة قد فرضت سيطرتها على مناطق واسعة من البلاد بدعم إقليمي ودولي واضح.
ومع مرور الوقت، تمكن النظام – مدعوماً بالآلة العسكرية الروسية، والميليشيات الإيرانية، وحزب الله – من استعادة معظم الأراضي الخارجة عن سيطرته. ثم جرى تجميع المعارضة في إدلب كآخر معقل، بانتظار أحد خيارين: إمّا القبول بالتسوية السياسية، أو الإفناء عبر الحسم العسكري.
وعلى الرغم من أن روسيا امتلكت قاعدة عسكرية قوية في حميميم، وأخرى بحرية في طرطوس، ووجوداً عسكرياً يزيد على 65 ألف جندي، إلى جانب أسلحة نوعية ومتفوقة تقنياً، فإنها لم تستخدم هذه الأوراق للضغط الفعلي على النظام، للسير نحو تطبيق القرار الأممي 2254، الذي يفترض أن يكون مرجعية الحل السياسي في سوريا.
لقد بقيت موسكو تُراوح مكانها بين مناورات سياسية بلا طائل، واتفاقات تهدئة مؤقتة لا تلزم النظام بشيء.
وعليه، لا يبدو تحميل روسيا جزءاً أساسياً من المسؤولية على ما آل إليه الوضع السوري اليوم نوعاً من التهويل أو التسييس، بل هو توصيف واقعي لحجم القوة التي امتلكتها ولم تُستثمر لصالح إنقاذ سوريا من الانهيار.
كان بمقدور روسيا أن ترغم النظام على الجلوس إلى طاولة تفاوض حقيقية، أو أن تسهم في إنتاج بديل سياسي أكثر واقعية وشرعية، خصوصاً أن عدداً كبيراً من القيادات العسكرية والأمنية في سوريا تدين بالولاء لموسكو، وبعضها يعيش عملياً تحت مظلتها.
المثير للاستغراب، أن روسيا – وبعد 8 كانون الأول 2024، وهو التاريخ الذي يُنظر إليه كمفصل في تحول المشهد السوري – بدت وكأنها تنسحب تدريجياً من واجهة الفعل السياسي والعسكري، تاركة البلاد نهباً للتجاذبات الإقليمية والدولية، ومتغاضية عن انهيارات داخلية كبرى ضربت مفاصل الدولة والمجتمع.
لقد تصرّفت موسكو وكأنها فوجئت بالتغيّرات، أو كأنها رضخت لتفاهمات غير معلنة تقضي بإقصائها عن الدور القيادي في سوريا، أو على الأقل تقليص نفوذها.
صحيح أن الروس كانوا – تاريخياً – حلفاء مقرّبين لسوريا، وقدموا لها دعماً على مستويات عدة، لكن هذه العلاقة العميقة كان يُفترض أن تتوّج بقرار استراتيجي حاسم، لا أن تُختتم بتخلٍّ مريب وصمتٍ ثقيل.
كان المنتظر من موسكو أن تكون صوت العقل والضغط، أو حتى اليد التي تقطع الطريق على العبث والانسداد.
أما لماذا لم تفعل، ولماذا آثرت التراجع أو الصمت، فذلك سؤال يبقى مفتوحاً على الكثير من التأويلات، التي قد تكشفها وثائق الأيام المقبلة أو تحوّلات المستقبل.

إرسال التعليق