حكاية ثائر أيقوني منسي
في وطنٍ كانت فرنسا تزعم أنه جزءٌ من جسدها، وُلد طفل جزائريّ اسمه عمر ياسف… لا في بيتٍ عادي، بل في القصبة العتيقة، حيث الجدران تنبض بالوطن، وحيث العيون تفتح على مشاهد الاحتلال، والقلوب لا تعرف اللهو… بل تعرف الجزائر فقط.
لم يحمل بندقية، لم يطلق رصاصة، لكنه حمل ما هو أثقل من الرصاص…
حمل الرسائل، والأسرار، والإيمان، والشجاعة التي لا تُقاس بالعمر.
نشأ في بيت كلّ حجر فيه كان شهقة وطن. بيت عمه المناضل ياسف سعدي، أحد قادة جبهة التحرير الوطني.
كان عمر يُراقب الثوار وهم يجتمعون سرًا، يخططون، يتهامسون، يرسمون خريطة النصر على حيطان الأمل… وكان قلبه الصغير يخفق كما لو كان أحدهم.
وذات يوم، قالها صريحة لعمه: “أنا لستُ أقل منكم حُبًا للوطن… أنا معكم!”
فأجابه العم: “ما زلت صغيرًا يا عمر!”
لكنه صرخ برجولة تسبق سنّه:
“والله… لن أتراجع أبدًا!”
ومن تلك اللحظة، لم يعد عمر طفلاً… بل صار فدائيًا.
في عمر الثانية عشرة فقط، أصبح أصغر مقاتل في صفوف جبهة التحرير.
يمشي حافي القدمين بين دوريات العدو، يهرّب الرسائل، يحمل الذخيرة، يرقب العيون الفرنسية ببراءة الظل… ويخدعهم، لأنهم لم يروا في وجهه سوى الطفولة، ولم يعلموا أن قلبه يُخفي وطنًا بأكمله.
كان عمر، بصدق، أحد أسرار الثورة…
صوتًا لا يُسمع، لكنه كان يهز العاصمة من الداخل.
وفي ليلة من ليالي عام 1957، اكتشف الفرنسيون أحد أوكار الثورة في القصبة. اقتحموا المنزل، وجدوا عمر ومن معه.
حاولوا ترهيبه، تهديده، صرخوا في وجهه، لكنه… صمت.
ابتسم ساخرًا، وكأن الجُبن هو ما كان يراهم به.
ولما عجزوا عن كسر الطفل، دفنوه حيًا تحت أنقاض البيت… فنسفوه بمن فيه.
استُشهد عمر.
جسده الصغير تفحّم، لكنه لم ينتهِ.
بل تحوّل إلى قنبلة لم تنفجر في القصبة، إلى اسمٍ يُهمَس به كلما مَرّت ذكرى الشهداء، إلى حكاية لا يعرفها كثيرون، لكنها تستحق أن تُروى بكل لغات العزة.
لقد نسيناه!
لم نضع صورته في المدارس، ولم نحكِ بطولته على ألسنة المعلمين.
نسيه الجيل الجديد، بينما كان يجب أن يُدرّس اسمه كما نُدرّس تاريخ الأمم.
لأن عمر… لم يكن طفلًا عاديًا، بل كان برهانًا أن الكرامة لا تسأل عن العُمر، وأن البطولة لا تنتظر أن تكتمل اللحى.



إرسال التعليق