القرطاجيون – الفنيقيون – في شمال افريقيا
عزالدين معزة
القوة والجبروت لا يدوم لأحد ، قرأنا في كتب التاريخ عن امبراطوريات قوية سقطت وزالت مع كل رجالها وانظمتها ، وخطر في بالي الان الحضارة القرطاجية ” البونيقية ” التي ابدعتها قرطاج منذ مطلع القرن الاول قبل الميلاد ، والتي ابتلعتها الهمجية العسكرية الرومانية باحراق مدينة قرطاج العاصمة بكل من فيها من سكانها ومكتباتها وبنيايها ووو ولم يترك وراءه سوى اثار دمار وخراب ليؤسس مدينة رومانية بجوارها ما زالت اثارها قائمة الى الان بجوار مدينة قرطاج الفينقية ” الكنعانية “
ماذا بقي من اثار الشعب البونيقي المغامر والمتحضر ؟
سأحاول في هذه العجالة ابراز بعض المظاهر الحضارية للقرطا جيين ، لأن بعض مظاهرها ما يزال يحير المؤرخين ويشوش افكارهم ، شخصيا اعتبرها عبقرية شعب في ايامه وزمانه ..يقال ان الرومان اعدموا 400 الف قرطاجي في مدينة قرطاج ولم يبق اثر للشعب القرطاجي في شمال افريقيا لكن القديس اوغسطين يقول : ” وهكذا إذا سألتم فلاحينا من انتم ؟ سيجيبونكم بلغتهم البونيقية نحن كنعانيون “
” لم تكن المدن البونيقية مجرد نسخ متكررة، بل كانت عقدا عضوية ضمن شبكة استراتيجية دقيقة تعكس براعة التخطيط البونيقي في توزيع الوظائف وتعميق مفهوم السيادة عبر تنويع الأدوار. تصدرت قرطاج QRTḤḤDST مركز القيادة بوصفها العاصمة السياسية والدينية والدبلوماسية التي انبثقت منها التوجيهات الكبرى في الحرب والسلم والعبادة. لكنها لم تكن كيانا مركزيا مغلقا، بل محورا لمنظومة من المدن المتخصصة التي تدور في فلكها دون أن تذوب في ظلها… فمدينة هيبون هيبو ريغيوس HYP على الساحل الشرقي للجزائر حاليا أدارت عقد الاتصال التجاري والعسكري مع الداخل الجنوبي، وسيرت الممرات الحيوية نحو الصحراء. بينما مثلت قيرطا سيرتا QRTʿ قسنطينة حاليا الرافعة الاقتصادية في الداخل ومعقلا لوجستيا للتوسع نحو الهضاب العليا. أما إيكوزيوم GZYM الجزائر العاصمة حاليا، فكانت نقطة ارتكاز بحرية استراتيجية ومركزا للسيطرة على الملاحة الساحلية… في الشرق، لعبت تيبازة ṬBʿṢT دورا دينيا بارزا بفضل موقعها عند تقاطع البحر والأراضي الزراعية، فكانت مركزا لعبادات الخصب والإلهة الفينيقية تانيت… بينما تطورت صالداي بجاية لاحقا، مع ملاحظة أن الموقع البونيقي مختلف عن المدينة الإسلامية، لتصبح مرفأ حيويا في الساحل الأوسط ونقطة تبادل تجاري وثقافي… هكذا شكلت الخريطة البونيقية بنية متعددة الطبقات، تعمل بتناغم مرن بين المركز والأطراف. كل مدينة كانت عقدة وظيفية مستقلة ضمن شبكة متكاملة تجمع بين:
الهيمنة الملاحية
النفوذ الديني
السيطرة الاقتصادية
التحكم العسكري واللوجستي
التخطيط البونيقي لم يعتمد المركزية المطلقة، بل أنتج نظاما شبكيا مرنا… كل مدينة في المنظومة أدت وظيفة نوعية تدعم هيمنة قرطاج دون أن تذوب في هويتها، مما عمق مفهوم السيادة المشتركة وضمان الاستمرارية.”
منقول من صفحة الأستاذ أحمد أوزيوي
الحق ان قوة قرطاج يفسر بعبقرية شعبها وحكامهم .
” يمكن القول إن القرطاجيين كانت لهم حكومة تدير امورهم بشكل جيد ودستورهم يتفوق على الدساتير اخرى في نواح كثيرة ” ارسطو
كان كل قرطاجي سيد ولم يكن حكامها جبابرة على شعبهم وانما كانت فيها فصل السلطات ومحاسبة الحكام والحكم عليهم بالاعدام ان أساؤوا استعلال السلطة لصالحهم ..فكان مئة من قضاتها يختارون من مجلس الشيوخ المنتخب وكان على كل القادة العسكريين والسياسيين ان يقدموا اعمالهم لهذه المحكمة فكان يعتريهم الخوف منها لأنهم يحاسبونهم على كل كبيرة وصغيرة طبقا لقوانين قرطاج ولذلك كان الجميع من الحكام والشعب يحترمون القانون ..الذي حعلوه اعلى من الجميع ولصالح الدولة القرطاجية …
لكن الهمجية العسركية الرومانية ابادت عاصمتهم واثارهم وكتبهم ومدارسهم ومعابدهم ونظام حكمهم



إرسال التعليق