حين يُصبح الصمتُ العالمي شريكًا في الإبادة
أوزجان يشار
ليس في غزة حربٌ عابرة يمكن أن تُفهم في سياق ردود الأفعال. ما يجري هناك هو مشروعٌ ممتدّ، خطةٌ منهجية للإبادة البطيئة، تُنفَّذ على مرأى العالم، وبأدواتٍ مدروسة ومُكرّسة، وكأنّ كل تفاصيلها جرى التدرب عليها منذ عقود.
الجريمة اليوم لا تحتاج إلى شاهدٍ يبحث عنها، بل تقتحم كل بيت عبر الشاشات: أطفال هزيلو الأجساد، طوابير من البشر ينتظرون كسرة خبز، وأرضٌ يُعاد قصفها كل يوم حتى صارت كالرماد. ومع ذلك، يكتفي العالم بالتفرّج.
⸻
مصيدة اسمها غزة
منذ أكثر من ثلاثين عامًا تحوّلت غزة إلى سجنٍ كبير. تفاصيل الحياة اليومية للفلسطينيين معلّقة على تصريح: تصريح لزيارة طبيب، أو لتعليم طفل، أو لإدخال شحنة دواء أو دقيق. وحتى بعد الحصول على التصاريح، هناك دائمًا فخاخ جديدة: جهاز معطّل، قانون يتغيّر في اللحظة الأخيرة، ورقة ناقصة، ذريعة أمنية غامضة، أو أمر بالعودة إلى نقطة الصفر.
هذه ليست فوضى إدارية عابرة، بل سياسة متعمدة لإفراغ الحياة من معناها، وجعل كل شيء – من تنفّس الهواء حتى طلب الدواء – رهينةً بقرار احتلالي.
⸻
من التمييز إلى الإبادة
العلوم الاجتماعية شرحت هذه المراحل بدقة. ففي كتابه Compartments of Destruction، يصف عالم الاجتماع أبراهام دي سوان المراحل نفسها: يبدأ الأمر بوصم مجموعة معينة، ثم عزلها عن باقي المجتمع، ثم يتطور إلى قتلٍ جماعي عندما تختفي تلك المجموعة عن الأنظار والضمير.
اليوم، غزة تمثل هذه المراحل حرفيًا: تم نزع إنسانية الفلسطينيين بالكامل. لم يعد يُنظر إليهم كأفراد لهم حياة ووجوه وأسماء. حتى صار بعض الشباب الإسرائيليين يجلسون على التلال يشاهدون القصف ويضحكون، كما لو أنهم أمام عرضٍ للألعاب النارية. أحدهم قالها بلا خجل: “عندما أرى القنبلة تسقط على غزة، أشعر بالسعادة.”
⸻
لماذا تعتمد إسرائيل على الدعم الأمريكي؟
لا يمكن فهم الدعم الأمريكي غير المحدود لإسرائيل من منظور المصالح الآنية وحدها، بل من جذورٍ أعمق في الوعي التاريخي والسياسي الأمريكي.
لقد تأسّس العقل الأمريكي على فكرة “القدر المتجلي” (Manifest Destiny): اعتقاد راسخ بأن للقوة حقًّا في التوسع وفرض السيطرة على الأرض، مهما كان الثمن.
هذه العقيدة بدأت بإبادة الهنود الحمر من أجل الأرض والذهب، ثم انسحبت على الفلبين وكوريا، وعلى قنابل فيتنام واليابان، وصولًا إلى العراق وأفغانستان.
تكوّن في الوعي الأمريكي أن من يمتلك القوة يستطيع أن يكتب التاريخ ويعيد تشكيل الجغرافيا، وأن ما تفرضه القوة يصبح “شرعيًّا”.
حين تنظر أمريكا إلى إسرائيل، تراها مرآةً لتجربتها الخاصة: جماعة جاءت لتستوطن أرضًا باسم الحضارة، تبني دولة حديثة فوق أنقاض شعبٍ أصلي. ومن ثمَّ فإنَّ كل ما تفعله إسرائيل – من حصار وتجويع وتهجير – يُترجم في الذهنية السياسية الأمريكية على أنه “إجراء أمني مشروع”، لا جريمة ضد الإنسانية.
ولكي يُبرَّر هذا التواطؤ غير الأخلاقي، يُستَحضَر المبرر الديني: أن الله طلب من المسيحيين أن يقفوا مع إسرائيل. وبدون تفكير في سياق النص أو الزمن أو المقصود الحقيقي بـ”إسرائيل”، يقع كثير من الأمريكيين في فخ فهمٍ مغلوط يقدّم لهم غطاءً مريحًا، لكنه يظلّ مبررًا غير منطقي أمام الضمير الإنساني.
لذلك ليس غريبًا أن تخرج بعض الأصوات الغربية اليوم للحديث عن تحويل غزة، بعد انتهاء المذبحة، إلى “منتجع على غرار الريفييرا”، وكأن الأرض تُطهَّر من دماء أصحابها بمجرد بناء الفنادق.
هذه هي عقلية المستعمر حين يرى في الخراب فرصة استثمار، وفي النكبة مشروعًا عقاريًا.
⸻
مأساة أكبر من استيعاب الضمير العالمي
إن ما يحدث في غزة لم يعد شأنًا فلسطينيًا محليًا. إنه وصمة أخلاقية على جبين البشرية.
الصمت الدولي لم يعد حيادًا؛ الصمت صار تواطؤًا. الاتحاد الأوروبي غارق في انقساماته، والدول العربية تكتفي بخطابات خاوية، أما الولايات المتحدة – التي تملك مفاتيح الضغط – فتفتقد الإرادة السياسية. أما المجتمع الدولي، فقد صار مسرحًا للبيانات التي تُقال لتُنسى، وكأن الغاية هي ملء الوقت بالكلام لا حماية الحياة.
حتى فكرة إجلاء المدنيين – أقل الإجراءات إنسانية – تُواجَه بالحواجز. تُغلق مصر والأردن الأبواب، وتُردّد أوروبا أن استقبال اللاجئين الفلسطينيين سيشكّل “عبئًا”، كأنّ النجاة من الموت ترفٌ غير مستحق.
⸻
الرهائن كذريعة، والجوع كفخّ موت
لقد تحولت قضية الرهائن الإسرائيليين إلى ستارٍ كثيف تُخفي إسرائيل خلفه كلّ جرائمها. تُقدّم هذه القضية بوصفها “مبررًا مقدسًا” لكل مجزرة، حتى وقد عجزت، طوال شهور، عن تحديد عدوها الحقيقي. لم تعد الحرب موجّهة إلى “حماس” كما يدّعون؛ بل باتت حربًا شاملة على مجتمع بأسره يُعاقب بالجملة.
كل طفلٍ وامرأةٍ وشيخ صار هدفًا مشروعًا للقنابل، الأمريكية والأوروبية الصنع.
وفي مشهد بالغ القسوة، ظهرت واحدة من أكثر وسائل الخداع انحطاطًا: نقاط الطعام التي تحولت إلى مصائد موت.
تدخل شركات أمريكية تحت لافتة “الإغاثة” لتوزيع الغذاء على الجائعين، فيهرع الناس إلى تلك النقاط بعد أيامٍ من الجوع والتيه. وعندما تكتمل الطوابير، تتحول تلك النقاط إلى فخاخٍ مكشوفة؛ فما أن يقترب المنهكون من أجل لقمة حياة، حتى يُفتح عليهم جحيم النار من الطائرات والدبابات.
إنها حربٌ مزدوجة: حرب الخداع والجوع، حيث يُحوَّل الخبز – أبسط رموز الحياة – إلى فخّ موتٍ جماعي.
وتُسجَّل هذه المجازر في سجلّ جيشٍ يزعم أنه “الأكثر عدلاً وأخلاقاً في العالم”.
هذه الممارسات تعيدنا إلى عصورٍ كان فيها قتل الجائع عند باب مخزن القمح سلوكًا وحشيًّا، لكن الفرق أن الوحشية اليوم تُمارَس تحت يافطة الحضارة والقانون.
⸻
الجوع كسلاح إبادة
الموت في غزة ليس بالصواريخ وحدها، بل بالمجاعة أيضًا.
صورة المصوّر بشار طالب، الذي كتب أخيرًا: “لم يعد لديّ قوة للعمل، جسدي نحيف ولم أعد أستطيع”، تلخص القصة كلها.
الجسد أنهكته المجاعة، حتى أصبح الشاهد نفسه ضحية.
المعابر تحولت إلى مصائد موت. أكثر من ألف إنسان قُتلوا وهم ينتظرون الطعام. كل دقيقة انتظار أمام شاحنة طحين قد تكون الأخيرة.
⸻
ماذا يعني هذا لنا؟
غزة اليوم لم تعد جغرافيا محدودة؛ إنها مرآة أخلاقية تعكس عجز العالم كله.
كل دقيقة صمتٍ عالمي تعني حياة جديدة تُسحق تحت الأنقاض.
إذا لم يكن لدى العالم القدرة على وقف المجزرة، فليكن لديه على الأقل الشجاعة لتحمل وزر صمته.
⸻
ما المطلوب؟
- فرض عقوبات سياسية واقتصادية وعسكرية حقيقية.
- فتح المعابر تحت إشراف دولي فوري، لا عبر بيانات.
- جسر جوي إنساني مستمر، تُقاس جدواه بعدد الأرواح التي أنقذها، لا بعدد المؤتمرات التي عُقدت بشأنه.
⸻
لقد صارت غزة “فيتنام” العصر، اختبارًا مريرًا لإنسانية العالم.
وفي كل مرة يتأخر الفعل، نضيف طبقة جديدة إلى رماد الضمير البشري.
الصمت لم يعد حيادًا. الصمت صار مشاركة.
ومن يشارك في الإبادة، سيكتشف متأخرًا أنّ النار التي أشعلها في غزة ستطال ضميره ووجهه وتاريخه.



إرسال التعليق