التفاعل السياسي الذكي
حين تتكلم الخوارزميات: المؤسسة السياسية في زمن التفاعل الذكي
د.حمدي سيد محمد محمود
في سياق التحولات العميقة التي يشهدها العالم المعاصر، لم تعد المؤسسات السياسية والإدارية في المجتمعات المتقدمة مجرد أذرع تنفيذية تقليدية للسلطة، بل أضحت كيانات فاعلة ومرنة تعيد إنتاج المعرفة، وتوزيع السلطة، وصياغة التفاعلات الاجتماعية والسياسية بطرق غير مسبوقة. إن هذه المؤسسات لم تعد تُقاس فقط بقدرتها على إنفاذ القوانين أو تطبيق السياسات، بل أصبحت موضع مساءلة بوصفها مراكز تفكير وتخطيط استراتيجي، ومنصات لتجميع التوقعات المجتمعية وصهرها في قوالب سياساتية قابلة للتنفيذ، ضمن بيئة متسارعة تتطلب الاستجابة الذكية، لا الانضباط البيروقراطي الجامد.
لقد ارتقت هذه المؤسسات إلى دور مركزي في تشكيل المجال العام، لا بصفتها أدوات للسيطرة، بل كمحركات لإنتاج المعرفة المؤسسية وتوظيفها في إدارة التعقيد المجتمعي. وفي خضم الانتقال نحو “الذكاء المؤسسي”، شهدنا بروز ما يمكن تسميته بـ”التحوّل من الحكم إلى الحوكمة” — وهو تحوّل لم يعنِ فقط تغيّرًا في الأساليب، بل انقلابًا في الفهم الجوهري لوظائف المؤسسات، إذ بات يُنظر إليها كبنى مفتوحة على المجتمع، تتفاعل معه باستمرار، وتعيد تشكيل ذاتها استجابةً لتحولاته المعرفية والتقنية والقيمية.
وفي هذا السياق، فرضت مفاهيم “الحوكمة الذكية” و”الديمقراطية الخوارزمية” نفسها بوصفها نماذج متقدمة لإدارة الشأن العام، تتجاوز مركزية القرار التقليدية نحو أنماط شبكية من التنظيم والتواصل واتخاذ القرار. فالدولة الذكية لا تحكم من فوق، بل تتفاعل أفقيًّا مع شبكات من الفاعلين – مواطنين، مؤسسات، خبراء، منصات رقمية – ضمن آلية متواصلة من التحليل، التنبؤ، الاستجابة، والتقييم. وهذا يعني أن المؤسسات أصبحت، من جهة، حاضنات للخبرة التقنية ومراكز لتجميع وتحليل البيانات الضخمة، ومن جهة أخرى، بوابات للشفافية والمساءلة العامة، حيث يملك المواطن أدوات رقمية لرصد الأداء وتوجيه السياسات.
هذا التحوّل الجذري في بنية ووظيفة المؤسسات أعاد تشكيل العلاقة بين الدولة والمجتمع على أسس جديدة؛ فلم يعد المواطن مجرد متلقٍّ سلبي للقرارات، بل مشارك فعّال في صناعتها، عبر أدوات الخوارزميات التشاركية، ومنصات الذكاء الاصطناعي التي تُستخدم في تحليل احتياجات المجتمعات المحلية، وتحديد الأولويات العامة، بل وأحيانًا في اتخاذ قرارات سريعة ومعقدة يتعذر على النظم التقليدية استيعابها بنفس الكفاءة.
ومع أن اعتماد هذه المؤسسات على التكنولوجيا المتقدمة قد يُوحي بتجاوز الأدوار التقليدية، إلا أن الواقع يُظهر أن التكنولوجيا لم تُلغِ الوظائف القديمة، بل أعادت تشكيلها في قوالب أكثر تكيفًا وفاعلية. فمثلاً، وظيفة التشريع التي كانت حكرًا على المؤسسات التمثيلية، أصبحت اليوم محاطة بشبكات من البيانات والتغذية الراجعة الرقمية، بينما تحوّلت الوظائف الرقابية إلى عمليات آنية وآلية تُنجز عبر أنظمة تتبع الأداء المدعومة بالذكاء الاصطناعي. وكذلك الشأن في اتخاذ القرار، الذي لم يعد فعلًا فرديًا لمركز سلطوي، بل نتيجة تحليل خوارزمي لتدفقات معرفية واجتماعية وتكنولوجية متشابكة.
إننا نشهد اليوم صعود نماذج حكم جديدة تُعيد تعريف الدولة لا كجهاز مهيمن، بل كمنصة تفاعلية لإدارة المصالح، وتوليد الحلول، وتنظيم التعايش. وفي هذا الإطار، تغدو المؤسسات جوهرية لا لأنها تمثل السلطة، بل لأنها تُجسّد التوازن الذكي بين الاستقرار والتجديد، بين العقلانية البيروقراطية والابتكار التكنولوجي، بين السيادة التقليدية والحوكمة الشبكية. وبالتالي، فإن مستقبل الحكم في المجتمعات المتقدمة لن يُقاس بعدد القوانين أو حجم الأجهزة، بل بمدى قدرة المؤسسات على العمل كعُقد ذكية داخل شبكات معقدة من التفاعل السياسي والاجتماعي والتقني.



إرسال التعليق