المدن والعواصم الجديدة !!
المدن والعواصم الجديدة !!
حسن مدبولى
العواصم والمدن الكبرى في الدول ذات التاريخ ليست مجرد مبانٍ فخمة تُقام فجأة على أطراف الصحراء. إنها روح نابضة، وقلب حي، وعدالة تُمارس – أو تُغتال – وضمير يتأرجح بين اليقظة والغفلة، وقانون قد يُحترم وقد يُداس. المدن الكبرى ليست فقط عمرانًا، بل هي حياة مكتملة: حرية، وتنوع، وإبداع، واحتواء، وذاكرة جمعية، ورؤية إنسانية ممتدة عبر العصور.
المدن تُصنع بالتراكم، لا بالتخطيط على الورق وحده. تصنعها يد الإنسان على مدار قرون، بتفرد وخصوصية وامتزاج مع التاريخ والثقافة والمكان.
خذ القاهرة مثالًا، العاصمة الأقدم والأكثر تأثيرًا في العالم العربي:
القاهرة ليست فقط الأزهر والغورية والحسين والسيدة زينب، بل هي أيضًا عابدين وماري جرجس وشبرا والمعادي والزمالك وجاردن سيتي، وفسطاط عمرو بن العاص، وبولاق الشعبية، وعين شمس القديمة.
إنها المدينة التي يقطعها نهر النيل ويجاورها مجد الأهرامات ومراكب الشمس. فيها قلعة محمد علي، ومذبحة المماليك، ونهضة مصر، وميادين الشعر والكتابة والقراءة، ومَن لا يكادون يفقهون قولا.
القاهرة مزيج نادر من المقاهي الشعبية والفنادق الفاخرة، من الفن والمسرح والأزهر الشريف وآلاف المآذن والكنائس، من تلاوة القرآن وتراتيل الإنجيل، من روح رمضان واحتفالات رأس السنة.
هي انتصارات الأهلي وإخفاقات الزمالك، وهي مقاومة الفرنسيين، وثورة على العثمانيين، ونضال ضد الاحتلال البريطاني، واستيعاب لموجات النزوح من مدن القناة خلال العدوان الثلاثي.
أما الإسكندرية، العاصمة الثانية، فهي حلقة وصل بين الفرعونية والإغريقية، واليهودية، والرومانية، والمسيحية، والإسلام.
هي المدينة التي احتضنت المنارة، وقلعة قايتباي، والمسرح الروماني، وساحة سان ستيفانو، و”زنقة الستات”.
هي المدينة التي تتنفس البحر، وتنعش الروح المصرية. فيها المكتبة العظيمة، وفيها دماء الشهيدة هيباتشيا، وألحان سيد درويش، وصمود محمد كريم.
ثم تأتي أسوان، درة الجنوب. ليست مجرد مدينة، بل مهد حضارات، ومنبت الإنسان الطيب الأصيل.
فيها معابد أبو سمبل وفيلة، وتعانق الشمس في لحظات تعامدها، وفيها السد العالي، والبحيرة العظيمة، وذاكرة التهجير.
هي خلاصة من الحضارة النوبية، والكرامة، والمعاناة، والمقاومة.
المدن الحقيقية إذن ليست مشروعات تنمو بقرارات فوقية، ولا تولد من ميزانيات ضخمة أو حملات دعائية.
المدينة ليست مجرد إسمنت وحديد وشوارع مستقيمة. إنها تاريخ شعبي طويل، متصل، فيه ألم وأمل، فيه فوضى وعبقرية.
ولهذا، لا يمكن أن تُبنى مدينة حقيقية في عام، ولا ثلاثة، ولا حتى عشرة.
فالمدينة الحضارية ليست “مشروعًا”، بل “مسار”.
وحين تتحول فكرة المدينة إلى مشروع استثماري/تجاري بحت، فإن الخطر يكمن في أنها قد تنجح مؤقتًا، لكنها تحمل في داخلها تاريخ صلاحيتها، وربما لحظة انهيارها أيضًا.



إرسال التعليق