أحوال عربية

مشكلات مصر الاستراتيجية

د.حمدي سيد محمد محمود
يمثل مفهوم “العمق الاستراتيجي” إحدى الركائز الجوهرية في فهم بنية الأمن القومي لأي دولة، إذ يشير إلى القدرة الجغرافية والديموغرافية والسياسية والعسكرية للدولة على امتصاص الصدمات، والتحرك بمرونة في مواجهة التهديدات، وصياغة مساحات نفوذ تتجاوز حدودها السيادية الضيقة. وبالنسبة للدولة المصرية، يكتسب هذا المفهوم أبعادًا فريدة تستند إلى موقعها الجغرافي الحساس، وتراثها الحضاري، وأوزانها السياسية والعسكرية و الديموغرافية في قلب الإقليمين العربي الأفريقي.

تُعد مصر بحكم موقعها الجغرافي بوابة استراتيجية بين آسيا وإفريقيا، وتشرف على ممرات مائية دولية شديدة الحساسية كقناة السويس، وتتحكم في عقدة الوصل بين المشرق والمغرب العربيين، وبين شمال إفريقيا وجنوبها. هذه الخصائص الجغرافية توفر لمصر “عمقًا جيوسياسيًا” طبيعيًا يجعل من أمنها الداخلي مرهونًا بأوضاع الإقليم المحيط بها، ويجعلها في الوقت ذاته قادرة على التأثير الإقليمي إذا ما أحسنت توظيف هذا الموقع في سياساتها الخارجية.

ومع ذلك، فإن العمق الاستراتيجي لا يُقاس فقط بالجغرافيا، بل بالقدرة على توظيف هذه الجغرافيا لصالح الاستقرار والتنمية والأمن القومي. في هذا السياق، تواجه مصر تحديات جوهرية على أكثر من جبهة، تفرغ في كثير من الأحيان عمقها الجغرافي من مضمونه الاستراتيجي. فعلى الجبهة الشرقية، يظل الصراع الفلسطيني-الإسرائيلي ملفًا مفتوحًا لا يهدد فقط حدود سيناء، بل يشحن البيئة الأمنية برمتها في محيط مصر. أما الجبهة الجنوبية، فقد كشفت أزمة سد النهضة عن ثغرات عميقة في استثمار مصر لعلاقاتها التاريخية بدول حوض النيل، ما شكّل تهديدًا مباشرًا لأمنها المائي، أحد أركان عمقها الاستراتيجي الوجودي.

وفي الجبهة الغربية، ورغم التقدم الذي أحرزته مصر في تأمين حدودها مع ليبيا، إلا أن استمرار حالة الفوضى في الدولة الجارة يظل مصدرًا دائمًا للقلق الأمني والتسلل وتهريب السلاح والإرهاب العابر للحدود. أما في الجبهة الداخلية، فإن التحدي السكاني، والتفاوت التنموي بين المركز والأطراف، يمثلان عقبتين كبيرتين أمام بناء عمق داخلي قادر على الصمود والاستجابة للأزمات، خصوصًا في ظل تركز الثروة والبنية التحتية والخدمات في العاصمة والمراكز الكبرى.

ومن جهة أخرى، فإن القوى الناعمة لمصر – المتمثلة في الثقافة، والتعليم، والدبلوماسية، والإعلام – تمثل أدوات عمق استراتيجي غير مادي، تتيح لمصر الحفاظ على موقعها في محيطها العربي والإفريقي، إلا أن تراجع دور هذه القوى خلال العقود الأخيرة أضعف القدرة المصرية على بناء تحالفات مستقرة، وسمح لقوى إقليمية أخرى بالتغلغل في فضاءات كانت تاريخيًا محسوبة على مصر.

لكن رغم نقاط الضعف والتحديات، فإن لدى مصر عناصر قوة استراتيجية يُمكن – إذا ما استُثمرت بعقلانية – أن تُعيد بناء عمقها الاستراتيجي وفق تصور متجدد، يعزز من استقلال القرار الوطني، ويضمن الأمن المستدام. من بين هذه العناصر: الكتلة السكانية الشابة، وتزايد القدرات العسكرية، وتحسن البنية التحتية، والانفتاح النسبي على إفريقيا، وتجدد الدور المصري في ملفات حيوية مثل المصالحة الفلسطينية، ومكافحة الإرهاب، وأمن البحر الأحمر، واستثمارات الطاقة المتجددة.

وفي قراءة نقدية متعمقة، فإن المشكلة ليست في افتقار مصر للموارد، بل في ضعف التوظيف الاستراتيجي لها ضمن رؤية شاملة للأمن القومي. إذ لا تزال كثير من السياسات المصرية رهينة الاعتبارات اللحظية وردود الأفعال، أكثر منها نتاج تخطيط استراتيجي بعيد المدى. ويغيب في الغالب التنسيق المؤسسي المتكامل بين الأجهزة المعنية بإدارة العمق الاستراتيجي، سواء على الصعيد الأمني أو التنموي أو الثقافي، مما يخلق حالة من التشتت في الفعل الوطني، ويفقد مصر قدرتها على بناء “شبكة عمق متكاملة” تربط بين الداخل والخارج، وبين الأمن والتنمية، وبين القوة الصلبة والناعمة.

إن إعادة صياغة مفهوم العمق الاستراتيجي المصري اليوم تقتضي تبني مقاربة متعددة الأبعاد: تبدأ من إصلاح البيت الداخلي، وتفعيل اللامركزية التنموية، وتعزيز الاستثمارات في الأطراف، وترسيخ العدالة الاجتماعية، ولا تنتهي ببناء شراكات ذكية مع الدول الإفريقية والعربية وفق مبدأ “التكافؤ لا الوصاية”. كما تقتضي تجاوز النظرة العسكرية التقليدية للأمن القومي نحو نظرة شاملة تُعلي من شأن التعليم، والإبداع، والإنتاج، والهوية الثقافية كعناصر لا تقل أهمية عن الجغرافيا والسلاح.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى