كيف تفوز في الانتخابات
معهد البحوث السياسية
آلية رسم الخارطة الانتخابية ودورها في تحديد الأماكن المضمونة الأصوات ورسم التحالفات .
رسم الخرائط الانتخابية أو التقسيم الانتخابي هو عملية تحديد حدود الدوائر الانتخابية داخل دولة معينة ولها دور حاسم في تشكيل النتائج الانتخابية بما في ذلك خلق ما يُسمى الأماكن المضمونة الأصوات (Safe Seats) اذ ان رسم الخرائط الانتخابية ليس عملية فنية محايدة بل هو أداة سياسية قد تحرف الإرادة الشعبية لصالح أطراف معينة .
سنناقش في هذا المقال ماهية الخرائط الانتخابية وفق محاور مبسطة وكما يلي :
كيف تُحدَّد الدوائر الانتخابية
ويتم وفق ما يلي :
١. الأساس: تُرسم الحدود بناءً على معايير مثل:
- التوزيع السكاني (التعادل العددي).
- التجانس الجغرافي أو الإداري.
- الخصائص الديموغرافية (العرق، الدين، الطبقة الاجتماعية).
- الجهة المسؤولة والتي تختلف حسب الدولة (لجنة مستقلة، البرلمان، الحكومة).
٢. دورها في خلق الأماكن المضمون - التكتل (Packing): حشر أنصار حزب معين في دائرة واحدة بأغلبية ساحقة.
- النتيجة: الفوز السهل للحزب في هذه الدائرة، لكنه يُضعف تأثيره في الدوائر المجاورة.على سبيل المثال ، تجميع الأقلية العرقية المؤيدة لحزب ما في دائرة واحدة.
- التفتيت (Cracking) : تقسيم تجمعات مؤيدي خصم سياسي على دوائر متعددة.
- النتيجة: تخفيف تأثيرهم ومنعهم من تحقيق أغلبية في أي دائرة.على سبيل المثال، تقسيم مدينة مؤيدة للمعارضة على دوائر ريفية مسيطَر عليها.
لكن .. ماهي خصائص الدوائر المضمونة ؟
الجواب :
١. هيمنة كيان واحد: تفوق تاريخي لحزب (مثلاً: أغلبية +60%).
٢. ضعف التنافسية: لا يحتاج الحزب لحملات مكثفة أو موارد.
٣. تأثير محدود للناخبين: يصوت المقاعد الآمنة غالباً مع خط الحزب بغض النظر عن أدائه .
٤. تركز في مناطق معينة: حضرية/ريفية، أو مناطق ذات خصائص ديموغرافية متجانسة.
كيف تُستخدم الخارطة الانتخابية لتحديد الأماكن المضمونة الأصوات
تُستخدم الخرائط الانتخابية لخلق الأماكن المضمونة (Safe Seats) من خلال استراتيجيات تلاعب جغرافي-سياسي تُسمى الجيريمانديرينغ (Gerrymandering) والتي تعتمد على تحليل بيانات التصويت والديموغرافيا. وفق الآليات الرئيسية التالية :
١. التكتل (Packing): - الآلية: حشر أكبر عدد ممكن من مؤيدي الخصم في دائرة واحدة أو قليلة .
- النتيجة: الفوز الساحق للخصم في تلك الدوائر (بنسبة 80-90%)، لكنه يخسر باقي الدوائر. على سبيل المثال، تجميع الأحياء الحضرية المعارضة للحكومة في دائرة واحدة بينما تُوزَّع الضواحي المحايدة على دوائر أخرى لصالح الحزب الحاكم.
٢. التفتيت (Cracking) - الآلية: تقسيم تجمعات مؤيدي الخصم عبر دوائر متعددة لتمييع قوتهم.
- النتيجة: منع الخصم من تحقيق أغلبية في أي دائرة.على سبيل المثال، تقسيم مدينة مؤيدة للمعارضة إلى ٣ أجزاء، وضم كل جزء إلى دائرة ريفية محافظة.
٣. التكديس (Stacking): - الآلية: خلط تجمعات سكانية متضادة في دائرة واحدة مع منح الأفضلية لمجموعة موالية.
- النتيجة: إضعاف تأثير الأقلية عبر غمرها بأغلبية موالية. على سبيل المثال، دمج أحياء فقيرة مع أحياء غنية موالية للحاكم في دائرة واحدة.
السؤال المهم : كيف يُحدَّد الضمان لما ذكر أعلاه عملياً ؟
يتحقق وفق العوامل التالية في حال تم العمل بها بدقة :
١. البيانات الديموغرافية: تحليل انتماء الناخبين (عرق، طبقة، تاريخ تصويت). ٢. تحديد مناطق التكتيل أو التفتيت
٣. الحدود الإدارية : تجاهل التماسك الجغرافي (كقطع مدينة إلى أجزاء).
٤. كسر تماسك الكتلة الانتخابية المعارضة عن طريق ضرب الأماكن المضمونة لها سياسيا.
٥. التقسيم غير المتكافئ : جعل الدوائر الموالية أقل سكاناً (لكن بنفس المقاعد) العمل على زيادة وزن أصوات المؤيدين.
آلية بناء الخريطة الانتخابية وفق التنصيف العددي
تعتبر آلية التصنيف العددي (التوزيع السكاني) الأساس الأكثر شيوعًا لرسم الخرائط الانتخابية لكنها تُطبَق ضمن إطار معقد يتضمن معايير أخرى. ادناه تفصيل آلية البناء وفق هذا المعيار:
١. المبدأ الأساسي: صوت واحد، قيمة واحدة : وكما ادناه : - الهدف: ضمان تكافؤ تمثيل الناخبين عبر المساواة في عدد السكان بين الدوائر.
- المعيار العالمي: يُحدَد الانحراف المسموح به عن المتوسط السكاني للدائرة (عادة ±10-15%).
٢. المراحل العملية للتقسيم العددي: - جمع البيانات: استخدام إحصاءات سكانية حديثة (تعداد عام) بالاعتماد على بيانات التعداد الرسمي 2025. – حساب الحصة النسبية: قسمة إجمالي سكان الدولة على عدد المقاعد البرلمانية. على سبيل المثال، دولة عدد سكانها 10 ملايين + 100 مقعد → الحصة = 100,000 نسمة/مقعد.
- تحديد الانحراف: وضع سقف للتفاوت بين الدوائر (مثلاً: لا يزيد اختلاف عدد السكان عن ±15% عن الحصة). مثلا، الدائرة (أ): 92,000–108,000 نسمة (إذا كانت الحصة 100,000).
- التجميع الجغرافي: تقسيم الوحدات الإدارية الصغرى (القرى، الأحياء) إلى دوائر متماسكة. على سبيل المثال، دمج 5 قرى متجاورة سكانها 98,000 نسمة في دائرة واحدة.
٣. التحديات العملية في التطبيق: - التركيبات السكانية غير المتجانسة: صعوبة تقسيم المدن الكبرى (مثل القاهرة أو بغداد) دون كسر تماسك الأحياء.على سبيل المثال، حي شعبي كثيف (250,000 نسمة) يحتاج تقسيمه إلى 3 دوائر لكن قد يقطّع كيانه الاجتماعي.
- التحيز الخفي: حتى مع المساواة العددية، يمكن توجيه الحدود لصالح حزب عبر دمج مناطق ريفية محافظة مع جزء من مدينة ليبرالية لتخفيف تأثير الأخيرة واستبعاد تجمعات سكانية معينة (الجامعات، المعسكرات) من الحساب.
تداخل التصنيف العددي مع عوامل أخرى - التماسك الجغرافي: منع تشتيت المجتمعات المحلية قد يُنتج دوائر غير متساوية سكانياً (جبال، صحاري).
- الاعتبارات الإدارية: مراعاة حدود المحافظات قد يزيد التفاوت (محافظة نائية قليلة السكان). – التمثيل العرقي/الطائفي وحماية حقوق الأقليات قد يتطلب تكتيك متعمداً يزيد أعداد الدائرة.
دور الخارطة الانتخابية في تحديد وزن الأصوات وتشكيل التحالفات
تؤثر الخرائط الانتخابية بشكل جوهري على وزن الأصوات وتُشكِّل ديناميكيات التحالفات السياسية حتى في الأنظمة التي تُعتمد فيها المساواة العددية. ادناه الية التأثير المباشر :
١. تحديد وزن الصوت: كيف تُحوِّل الخريطة الأصوات إلى قوة سياسية؟ - المقايسة بالكثافة السكانية: في الدوائر الريفية قليلة السكان (ذات التمثيل الزائد) يصبح للصوت الفردي وزن أكبر مقارنة بالدائرة الحضرية المكتظة.
- تأثير الأصوات المهدرة: في الدوائر المضمونة (Safe Seats) تصوت أقلية كبيرة لحزب خاسر (مثل 40% لصالح الحزب س في دائرة حزب ص أمن)، فتفقد أصواته تأثيرها الفعلي.
٢. تشكيل التحالفات السياسية: الهندسة الانتخابية كمهندس تحالفات
تخلق الخرائط حوافز لإعادة تشكيل التحالفات عبر: - الدوائر التنافسية (المتأرجحة): تجبر الأحزاب على تشكيل تحالفات واسعة لاجتذاب الأغلبية.
- الدوائر المضمونة: تسمح للأحزاب بإهمال شركاء التحالف أو تبني أجندة متطرفة.
- دوائر الأقلية المُصمَّمة: تُجبر الأحزاب الكبيرة على التحالف مع أحزاب الأقليات .
٣. آليات غير مباشرة لتشويه وزن الصوت: - التلاعب بحدود المدن: دمج أحياء فقيرة (منخفضة الإقبال) مع أحياء غنية (مرتفعة الإقبال) يخفض وزن صوت الفقراء.اضافة إلى تقسيم الجامعات، الطلاب (الميالين للمعارضة) على دوائر ريفية يُذيب تأثيرهم.
- التلاعب بالتمثيل غير المباشر: في الأنظمة الفيدرالية زيادة تمثيل الدوائر الريفية في المجلس الأعلى (مثل مجلس الشيوخ الأمريكي) يعطي أصوات الريف وزناً أكبر.
توظيف تقنية swot في اختيار المناطق المضمونة الأصوات
يمكن توظيف نموذج SWAT (تحليل القوة والضعف والفرص والتهديدات) في تحليل المناطق المضمونة الأصوات كأداة استراتيجية لتقييم مخاطر التلاعب بالخرائط الانتخابية وفرص الإصلاح. ادناه آلية التطبيق :
اولاً: مراحل توظيف SWOT في تحليل الدوائر المضمونة :
١. نقاط القوة (Strengths): - معدلات إقبال مرتفعة
- هيمنة حزبية تاريخية
- سجلات الانتخابات السابقة
- استطلاعات الرأي
٢. نقاط الضعف (Weaknesses): - انخفاض التنافسية
- تهميش فئات عمرية/اجتماعية
- إحصاءات الإقبال
- تحليل التركيبة السكانية
٣. الفرص (Opportunities): - تغييرات ديموغرافية
- ظهور قيادات محلية جديدة
- بيانات التعداد
- دراسات الحراك الاجتماعي
٤. التهديدات (Threats) : - احتجاجات شعبية
- رقابة قضائية على التقسيم
- تقارير منظمات المجتمع المدني
- أحكام المحاكم
ثانياً: تحليل البيانات عبر مصفوفة SWAT الانتخابية : مصفوفة تطبيقية: دائرة ريفية مضمونة لحزب معين : - نقاط القوة: ولاء قبلي تاريخي للحزب يرفع نسبة الفوز إلى >75%
- نقاط الضعف: هجرة شبابية للمدن يخفض الإقبال ويُضعف الشرعية
- الفرص: مشاريع تنموية جديدة قد تجذب ناخبين جدد وتزيد التنافسية
- التهديدات: نشوء حركة احتجاجية محلية يهدد بانهيار الضمان الانتخابي
ثالثاً: تطوير استراتيجيات التدخل بناءً على التحليل السابق: - حماية الدوائر المضمونة: تعزيز المشاريع الخدمية – توظيف الزعامات القبلية – تحفيز الهجرة العكسية للشباب – توحيد المعارضة في كتلة واحدة .
- اختراق الدوائر المضمونة: إعادة رسم الحدود لضم مناطق حضرية وتسليط الضوء على فساد النواب الآمنين
حدود نموذج SWAT والبدائل :
١. تحليل ساكن (لا يرصد التغيرات السريعة) لكن يمكن دمجه مع تحليل PESTEL ( سياسي، اقتصادي، اجتماعي، تكنولوجي، بيئي، قانوني) .
٢. لا يحسب الأوزان النسبية للعوامل لكن بالإمكان استخدام AHP (التحليل الهرمي) لترجيح المخاطر .
٣. يصعب قياس التفاعلات بين المتغيرات . لكن يمكن توظيف نمذجة المحاكاة (Simulation)
ملاحظة :
نموذج SWAT يُحوِّل الخريطة الانتخابية من أداة هندسة سياسية إلى مختبر تحليلي قادر على كشف نقاط الاختراق في الدوائر المضمونة وتنبؤ مخاطر فقدان الهيمنة. اضافةً إلى تصميم استراتيجيات مرنة للسيطرة أو الاختراق.
لكن نجاحه مرهون بإدخال بيانات حية وتحديثها وإلا يتحول إلى وثيقة نظرية.



إرسال التعليق