من ينتصر في حرب المخابرات في اليمن

اليمن بين قبضة التفوق الاستخباراتي وخيار الضربة الاستباقية: إيران ولبنان نموذجاً

عادل السياغي

في سبتمبر 2024، دوّى خبر اغتيال الأمين العام لحزب الله، حسن نصرالله، كزلزال أمني وسياسي هزّ المنطقة، في عملية استخباراتية دقيقة وصفتها تقارير دولية بأنها تطوّر نوعي غير مسبوق في تاريخ العمل الاستخباراتي في الشرق الأوسط. ومع تصاعد الدور الحوثي في اليمن واتساع نشاطه الإقليمي، تطرح التساؤلات نفسها: هل سيكون اليمن الساحة التالية لتكرار ذات السيناريو؟


التفوق الاستخباراتي: الحروب تُحسم بالعقول لا بالجيوش

في زمن تحوّلت فيه ساحات المعركة إلى غرف عمليات إلكترونية، لم يعد النصر مرتبطًا بعدد الجيوش أو حجم العتاد، بل بمدى دقة المعلومة وسرعة الوصول إلى الهدف. وتفوق إسرائيل والولايات المتحدة الاستخباراتي أثبت قدرته على تغيير قواعد اللعبة من خلال:

رصد القيادات وتحركاتهم في الوقت الحقيقي.

اختراق شبكات اتصالات مشفرة ومعقدة.

استخدام الطائرات المسيّرة كأدوات تنفيذ عالية الدقة.

بناء شبكات معلومات بشرية داخل بيئات مغلقة.

هذا التفوق مكّن من تنفيذ عشرات العمليات التي أطاحت برؤوس كبيرة في حزب الله والحرس الثوري دون الحاجة إلى إشعال حرب مفتوحة.


لبنان: من التهديدات… إلى اغتيال رأس الهرم

رغم التهديدات المتكررة منذ سنوات، لم يتوقع الكثيرون أن يصل استهداف حزب الله إلى اغتيال قائده الأعلى. ففي 27 سبتمبر 2024، نُفّذت العملية في منشأة محصنة تحت الأرض بالضاحية الجنوبية لبيروت، باستخدام ذخائر خارقة من نوع “بيجر” وصفت بأنها قادرة على اختراق التحصينات العميقة.

المعطيات الاستخبارية حول تحركات نصرالله ومواعيد وجوده داخل الموقع، إلى جانب عمل استخباراتي إلكتروني وجوي متقدم، جعلت الضربة ممكنة. تبعتها عمليات لاحقة، منها:

اغتيال هاشم صفي الدين، رئيس المجلس التنفيذي لحزب الله، بواسطة درون انتحارية في بيروت.

استهداف قيادات ميدانية في سوريا والبقاع، ما أحدث خلخلة في البنية التنظيمية للحزب، وأربك ظهوره السياسي والإعلامي.


إيران: عندما تُستهدف العقول والرموز

بعد اغتيال نصرالله، انتقل الضغط الاستخباراتي إلى قلب إيران، في تصعيد نوعي شمل:

اللواء حسين سلامي (قائد الحرس الثوري)، قُتل في غارة دقيقة في يونيو 2025.

محسن فخري زاده، العقل المدبر للبرنامج النووي، اغتيل عام 2020 عبر رشاش آلي يتم التحكم به عن بُعد بالأقمار الصناعية.

حسن صياد خدائي، أحد أبرز ضباط فيلق القدس، اغتيل في طهران عام 2022 بإطلاق نار دقيق.

تفجيرات غامضة ضربت منشآت نطنز وأصفهان ومراكز الأبحاث العسكرية، تُرجّح أنها نُفّذت بواسطة طائرات مسيّرة أُطلقت من داخل إيران.

الرسالة كانت واضحة: لا أحد في مأمن، ولا وقت للرد إذا تم رصد الهدف.


اليمن: الساحة التالية على الخريطة الاستخباراتية؟

تُظهر مؤشرات عديدة أن اليمن بات مرشحًا قويًا ليكون الحلقة التالية في سلسلة العمليات الاستباقية:

تصاعد الهجمات الحوثية على الملاحة الدولية في البحر الأحمر.

امتلاك الحوثيين تكنولوجيا صواريخ وطائرات مسيرة متطورة، يُشتبه بوصولها من إيران.

تعاظم التعاون الاستخباراتي والتقني بين الحوثيين وحزب الله وفيلق القدس.

وقد تم رصد:

تحليق مكثف لطائرات استطلاع مسيّرة فوق صعدة وعمران.

ضربات جوية “غامضة” استهدفت مواقع استراتيجية في صعدة والحديدة.

تسريبات استخباراتية حول قائمة مستهدفة من القيادات الحوثية، على غرار قائمة حزب الله.


سيناريوهات الضربة: من عبد الملك الحوثي إلى مراكز القيادة

تُشير تقديرات إلى أن المرحلة القادمة قد تشهد تحركات تشمل:

استهداف عبد الملك الحوثي، عبر مسيّرات شبحية أو ذخائر ذكية تخترق التحصينات.

اغتيال شخصيات بارزة مثل يحيى سريع، مهدي المشاط، ومحمد علي الحوثي.

تدمير مراكز القيادة والورش العسكرية السرية، خاصة تلك الخاصة بتصنيع المسيّرات والصواريخ.

الضربات قد تكون خاطفة، دقيقة، وصامتة — لا تحتاج لإعلان حرب، بل إلى “إشارة خضراء” من أجهزة الاستخبارات.


الخاتمة: اليمن بين نيران الذكاء والردع

إن اغتيال نصرالله، وقتل قادة الحرس الثوري، لم يكونا مجرّد تصفيات فردية، بل تحوّلًا في عقيدة “الردع الذكي”. ويبدو أن اليمن يقف اليوم أمام ذات السيناريو:

جماعة مسلحة بعقيدة أيديولوجية.

أسلحة إيرانية دقيقة.

خطر يهدد الأمن الإقليمي والدولي.

إذا استمر الحوثيون في التصعيد، فإن الضربة الاستخباراتية لن تبقى خيارًا نظريًا. فالموت في هذا العصر، كما أثبتت التجارب، لا يأتي مدوٍّا… بل من السماء بصمت.

إرسال التعليق

اخبار قد تهمك